• Anasayfa
  • Favorilere Ekle
  • Site Haritası
  • https://www.facebook.com/imamhuseyin.mescidi?fref=ts
  • https://plus.google.com/u/0/112418602123481358174?tab=wX#112418602123481358174/posts?tab=wX/posts

ANTAKYA İMAM ALİ (a.s.) İNANÇ VE KÜLTÜR DERNEĞİ 
İMAM HÜSEYİN (a.s.) MESCİDİ

Hidayet El Kübra - Arapça

الهداية الكبرى ؛ ؛ ص5

الهداية الكبرى، ص: 5

لمحات عن الكتاب و المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

من هو الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي أو الجنبلاني؟

كنيته أبو عبد اللّه، و اسمه الحسين بن حمدان الخصيبي، وفاته في ربيع الأول سنة 358 ه، و في رواية أخرى كانت وفاته في حلب، يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 334 ه، و شهد وفاته بعض تلامذته و مريديه، منهم أبو محمد القيس البديعي، و أبو محمد الحسن بن محمد الاعزازي، و أبو الحسن محمد بن علي الجلي، و دفن في حلب، و ذكر له ولد يدعى أبا الهيثم السري، و ابنة تدعى سرية، و الفرق بين الروايتين اثنا عشر عاما، و نرجّح هذه الرواية لأنها وردت في آثار تلامذته و نسبه.

(في الخلاصة): الحضيني، بالحاء المهملة، و الضاد المعجمة، و النون قبل ياء النسبة، و عند ابن داوود، الخصيبي، بالخاء المعجمة، و الصاد المهملة، و الباء قبل ياء النسبة، نسبة الى جدّه خصيب، أو إسم المنطقة التي ولد فيها، و أما الجنبلائي نسبة إلى جنبلاء بالهمزة، بلدة بين واسط و الكوفة، و ينسب إليه أيضا جنبلاني بالنون قبل ياء النسبة، كما ينسب إلى صنعاء، صنعاني.

أقوال المؤرخين المعاصرين له كثيرة بين متحامل عليه و حاقد، و بين محبّ و مخلص، و بين ملتزم في الصمت، منهم النجاشي، و ابن الغضائري، و صاحب الخلاصة من المتحاملين عليه.

(و في الفهرست لابن النديم)، الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي، يكنّى أبا عبد اللّه، روى عنه التلعكبري و سمع منه في داره بالكوفة سنة 334 ه، و له فيه اجازة.

الهداية الكبرى، ص: 6

(و في لسان الميزان)، الحسين بن حمدان بن خصيب الخصيبي، أحد المصنفين في فقه الإمامية، روى عنه أبو العباس بن عقدة و أثنى عليه و اطراه و امتدحه، كان يوم سيف الدولة بن حمدان في حلب، و في أعيان الشيعة للعلّامة الكبير المجتهد، و المؤرخ و الأديب و الكاتب الإمامي السيد محسن الأمين العاملي (طيّب اللّه ثراه) ترجمة للخصيبي مفادها امتداحه و الثناء عليه، و على أنه من علماء الإمامية و كل ما نسب إليه من معاصريه و غيرهم لا أصل له و لا صحة، و انما كان طاهر السريرة و الجيب، و صحيح العقيدة، كما أن السيد الأمين (رحمه اللّه و قدّس سره) أورد في كتابه أعيان الشيعة أقوال العلماء فيه و ردّ على المتحاملين عليه ردا جميلا، كابن الغضائري و النجاشي و صاحب الخلاصة، و يقول السيد الأمين العاملي (قدّس سره)، لو صحّ ما زعموا و ما ذهبوا إليه و نسبوه له لما كان الأمير سيف الدولة المعروف و المشهور بصحة عقيدته الإسلامية و ولائه للعترة الطاهرة و آل البيت (سلام اللّه عليهم) صلّى عليه و ائتمّ به.

و في رواية التلعكبري على انه أجيز منه لما عرف عنه من الوثاقة و الصدق بين خواص عصره، و أمّا من المعاصرين، فالمرحوم و المغفور له عضو المجمع العلمي في دمشق، و الكاتب الشهير، و الفيلسوف العظيم، و الحكيم العاقل، و الشيخ الوقور الملتزم الصادق قولا و عملا و سلوكية، قال فيه و الكلام لي و المعنى له، على أن العلماء و المؤرخين ذهبوا فيه مذاهب شتّى بين متحامل حاقد و مبغض كاسح، و بين مغال مفرط مسرف مبالغ، و بين معتدل عاقل، و خلاصة القول: كان من علماء آل محمد و الإمامية و هو في هذه الشهادة يتفق مع السيد الأمين العاملي (قدّس سره).

مؤلفاته كثيرة

، ذكر السيد المجتهد محسن الأمين العاملي مؤلفات الخصيبي و أورد أسماء من أتوا على ذكرها و محّص تلك الآراء و الأقوال المتعددة في دقة و أمانة فصح له منها عشرة كتب، و هي الاخوان، المسائل، تاريخ الأئمة، الرسالة، أسماء النبي، أسماء الأئمة، المائدة، الهداية الكبرى التي‏

الهداية الكبرى، ص: 7

نحن في صددها، الروضة، أقوال أصحاب الرسول و أخبارهم‏[1].

يوجد الآن من أتباعه في إيران‏

وحدها مليون و نصف يسكنون ضواحي المدن الآتية و هي: كرمنشاه، و كرند، و ذهاب، و زنجان، و قزوين، و في العاصمة طهران و ضواحيها، هذا ما قاله الأمين العاملي نقلا عن السيد محمد باقر حجازي صاحب جريدة وظيفة، و في قناعتي الخاصة، أحسن ما نقل عنه، أو تحدث به عنه حتى الآن هو الفيلسوف الأمير حسن بن مكزون السنجاري الفيلسوف و العلّامة و المؤرخ و الفقيه و القائد و المحدث و الراوي و المحقق و المدقق معا و اللغوي و المتبحر و الرباني في علوم آل محمد و معارفهم و حبه لهم و إخلاصه و قد ورد هذا الحديث عنه في مخطوطته الشعرية أي ديوانه الكبير و هو المرجع الأول و الأخير و المعول عليه و المعتمد في كل ما يتعلق بشؤون و أحوال الطائفة المنتمية إلى الشيخ أبي عبد اللّه الحسن بن حمدان الخصيبي و قد شرحه و بسطه و أزال غموضه العلامة الكبير المغفور له الشيخ سليمان الأحمد تغمد اللّه ثراه و أخرجه حلة قشيبة الى المكتبة العربية و محبي الفيلسوف و أنصاره و الديوان في رأيي صورة صادقة أمينة و منتسخه عن عقائد الطائفة في كل النواحي قولا و عملا و سيرة و التزاما و أرى شخصيا أن ديوان المكزون المخطوطة موسوعة و دائرة معارف و المكزون الفيلسوف الربّاني لم يمتدح أميرا أو واليا أو مسؤولا على خلاف غيره و معاصريه من الشعراء و لكنه امتدح آل حمدان أتباع الخصيبي عقيدة و ولاء و سيرة و يرى مدحه لهم فرضا لازما و واجبا محتّما لا أثر للمصلحة فيه و لا دافع ماديا أو وجاهة أو صورة نفعية و إنما أملاه عليه الواجب الولائي و العلاقة الروحية التي هي الحبل المتين و قطب الرحى و هو لما يراه أيضا و يعتقده لكونه تنتمي طائفته الخصيبة الى العترة

______________________________
(1). كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي، ج 4، صفحة 345، رقم 4117 من الطبعة القديمة.

الهداية الكبرى، ص: 8

الطاهرة و الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء بيت النبوة و معدن النور و ميزان الحق و حجج اللّه على البرايا و ألسنة الصدق و الدعاة إلى اللّه و سبل النجاة و أبواب رحمته و الوسائل إليه دنيويا و أخرويا و اجتماعيا و فكريا اسمعه إذ يقول معلنا و يصرح مبينا و يجهر موضحا عقيدته الصادقة و إيمانه الراسخ العميق للخاص و العام في أسلوب شعري رصين و عاطفة صادقة و وفاء و اخلاص لأسياده و أساتذته و أصحاب طريقته في أكثر من موضع في مخطوطته الشعرية و رسالته النثرية و أدعيته المشهورة و التي لا تختلف لفظا و معنى و فكرا عن أدعية الأئمة كالسجادية و غيرها من الأدعية قال بهم آمرا و ناهيا على صيغة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في أسلوب قرآني رصين.

و اقطع أخا الجهل و صل كل فتى‏

شبّ على دين الغرام و اكتهل‏

من آل حمدان الذين في الهوى‏

بصدقهم يضرب في الناس المثل‏

خزّان أسرار الغرام ملجأ العشاق‏

من أهل الشقاق و الجدل‏

قوم أقاموا سنن الحبّ الذي‏

جاءت به من عند لمياء الرّسل‏

تلوا زبور حكمها كما أتى‏

و رتلوا فرقانها كما نزل‏

اولئك القوم الذين صدقوا الحب‏

و فازوا بالوصال المتصل‏

آووا إلى كهف سليمى فجنوا

من نحلها الزاكي بها أزكى العسل‏

و عن سبيل قصدها ما عدلوا

و لا أجابوا دعوة لمن عزل‏

 

فهو في العرض الشعري‏

يبدو في القمة فكرة و أسلوبا و عاطفة و تعبيرا صادقا و تصويرا رائعا على خلاف غيره من المتاجرين حينا و المنافقين حينا آخر و تقديري أن الطائفة الخصيبية هي الفرقة المؤمنة الموالية للعترة الطاهرة أصولا و فروعا و مجازا و حقيقة و قولا و عملا فهم أي أهل طريقته تحت راية لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الإيمان بالخط الإمامي و ما هم عليه من التزام صحيح و رؤية سليمة و على أنهم رتلوا القرآن كما نزل و آمنوا به و صدقوا بأحكامه و نهجوا على سنّة رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و اقتفوا هدي آل بيته (سلام اللّه عليهم) و ما مالوا و لا زاغوا عن الحق و لا

الهداية الكبرى، ص: 9

أجابوا إلا دعوة الصدق و لا ساروا وراء دعوة اللائم العزول المفتري و يرى على أنهم قطفوا ثمار الدعوة و جنوا محصولها الزاكي المعنوي من نبعه و نهلوه مصبه دونما وساطة و هو في كل تعابيره الصريحة منها و غير الصريحة يسلك مسلك الحب الصادق و الوفاء و الإخلاص لشيخ الطائفة مسلما له الانقياد وطائعا له في كل الأصول الكلامية و المسائل الفقهية كما غلب على حسّه و عقله و نفسه و تحققه و تأكده من صحة ما كان عليه شيخه الحسن بن حمدان حتى إنه يرى لا رأي إلا رأيه إيمانا منه و اعتقادا على انه ما خرج عن رأي الأئمة المعصومين في كل ما كتب و ما قال و نشر بين خواصه و عوامه و محبّيه و مواليه و المقربين إليه قولا و عملا و منهجية و يستمر على غرار ما عهدناه به و ما عرفناه عنه في الحديث عنهم مطنبا حينا و موجزا حينا آخر دونما ملل أو ضجر أو تعسف أو خروج عن المألوف قال في القصيدة نفسها السابقة. و المدح كلها مصبوب على آل حمدان و موجه إليهم:

أهل الوفا و الصدق إخوان الصفا

كواكب الرّكبان أقمار الحلل‏

دراهم للعاشقين قبلة

و ترب مغناها محل للقبل‏

و قد حوت علما و حلما و تقى‏

في طيّ أمن و انخلاع و جذل‏

فانزل بها إن جزت زوار الحمى‏

يا سائق العير دع حث الإبل‏

و الثم ثرى من لي بأن الثمه‏

نيابة عن الشفاه بالمقل‏

فهو في الصورة و المعبرة و التصوير المؤثر يجلهم و يعظمهم كعادته و يرفعهم منزلة عالية و يسبغ عليهم صبغة القداسة و يطبعهم بطابع الهدى و التقى و الهداية فمعهدهم في نظره يختلف عن غيره من المعاهد و دارهم تختلف عن غيرها من الدور فهو يصرخ بعنف بالواقفين على الأطلال و الآثار و يحثهم على الالتزام بالجواهر و الحقائق التي هي الغاية في الأصل و الحقيقة في الإسلام إنهم في عقيدته حينا و قناعته حينا آخر إخوان صدق و صفاء و كواكب ركبان و أقمار منازل و على أن دارهم للموحدين و السالكين قبلة و تراب مغناها مكان طاهر للتقبيل و اللثم كمشاهد الأئمة (سلام اللّه عليهم) في بلاد الرافدين‏

الهداية الكبرى، ص: 10

و الكوفة و البقيع و غيرها من العتبات المقدسة كطوس وسواها و في كل موطى‏ء قدم مرّوا به أو أقاموا على ترابه و يرى أن هذه المشاهد الطاهرة و العتبات المقدسة قد أشيد عليها دور العلم و الحكمة و أقيم عليها الحوزات الدينية التي حفظت الإسلام و الشريعة السمحة و أحكامها و هذا الرأي الصحيح هو رأي الإمامية الفرقة الناجية صاحبة الحق و هذا ما نوّه عنه و أشار إليه العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في قصائده العلويات لشهرتها أعرضنا عنها و سأوضح للقارى‏ء الكريم قناعتي في الموضوع الذي أثير حول طائفة الشيخ الذي نحن في صدده و الحديث عنه و ما التبس في القديم و الحديث على الآخرين من شبهات لا تعطي دليلا قطعيا لا من قريب و لا من بعيد فالناقل عنهم و الحامل عليهم إمّا لعصبية عمياء أو كراهية ممقوتة أو لجهل مركب منبوذ من أصحاب الأقلام المأجورة و أرباب الدعوات الباطلة الذين هم في هذا النهج عملاء للصهيونية و خدم للإمبريالية و هم ليسوا من المسلمين و هؤلاء الفريق من الناس معروفون قديما و حديثا على أنهم تجار منافع و سماسرة مصالح يميلون مع كل ناعق كما قال الإمام علي (عليه السّلام) في هذا المجال و سواه. و نعود إلى الموضوع نفسه بعد هذا الاستطراد البلاغي حيث تراه دائما يشيد بهم و يثني عليهم و يطريهم قال:

1- حتى انتهيت بأصحابي إلى حرم‏

حماته سادة من آل حمدان‏

2- قوم أقاموا حدود اللّه و اعتصموا

بحبله من طغاة الإنس و الجان‏

3- و استأنسوا بالدّجى النار التي ظهرت‏

بطور سيناء من أجبال فاران‏

4- لم ينسهم عهدها تبديل معهدها

كلا و لم ينسهم عن حبها ثان‏

و هذه الصورة الصادقة تراها واحدة في كل قصائده لا لبس فيها و لا غموض و لا تعقيد و هذا ناجم عن مواقفه الصادقة و الإيجابية لمحبّيه و أساتذته و يرى القارى‏ء الكريم معي و الناقد المنصف أيضا لا يخرج في مدحه هذا عن مدح الكميت و دعبل و الفرزدق و أبي فراس الحمداني شعراء آل البيت و محبيهم تعبيرا و تصويرا و عاطفة و على غرار ابن الرومي و أبي تمام الطائي و السيد

الهداية الكبرى، ص: 11

الحميري مرة أخرى لشهرة شعرهم في هذا الموضوع أعرضنا عنه و لسهولة تداوله و الحصول عليه و هذا المدح في رأيه لا يزيدهم منزلة أو يرفعهم درجة بل يرى على العكس المادح لهم يزداد منزلة و قيمة و رفعة لأنهم أسمى من المدح و القول و النظم و يتابع رحلته الشعرية هذه بحرارة الإيمان معبرا عنهم أحسن تعبير و بعيدا عن الابتذال و التكلف و التصنع على خلاف غيره من المادحين و الناظمين قال:

وفوا العلوة بالميثاق و اتحدوا

على الحفاظ و جافوا كلّ خوّان‏

هم الجبال الرواسي في علوهم‏

و أنجم الليل تهدي كل حيران‏

سعوا فلم ترهم عين الجهول بهم‏

الا كما نظرت من شخص كيوان‏

صلّى الإله على أرواحهم و كسا

أشباحهم حللا من روض رضوان‏

فهم في عقيدته كالجبال الرواسي سموا و رفعة، و كأنجم الليل هداية و ارشادا، و قد اختفوا عن أعين الجهلة و المبغضين، و حق له أن يقول ذلك، لأنهم لا يرون عقيدة الّا عقيدة آل البيت و لا إسلاما إلّا إسلامهم، و هم في قناعته كما قلنا فوق مدح المادحين، و اطناب المطنبين، و اسهاب المسهبين، و هم أي محبّوا آل البيت أسمى و أرفع و أعلى بكثير و كثير مما يقول، لأنّهم صورة منتسخة عنهم كسلمان، و أبي ذر، و عمار و غيرهم مما يضيق بنا الحديث عنهم في هذه المقدمة، و يكرر مدحه لهم معرضا بغيرهم لترك الصورة، و التزام الحقيقة و التمسك بالعروة الوثقى، و ترك السراب الباطل، و هذا كثير عنده قال:

ويل الى الخيف عن الخوف الى‏

ظل اللوى و البلد الأمين‏

حمى به آل الخصيبي عصمة

الخائف من زمانه الخؤون‏

بنو الوفا و الصدق اخوان الصفا

قوم وفود الحجر و الحجون‏

أميال بيت اللّه أعلام الهدى‏

الطاردون الشكّ باليقين‏

فهو يرى الخصيبي و أتباعه الميامين على أنهم ملاذ الخائف من زمانه‏

الهداية الكبرى، ص: 12

الخؤون، و انهم أهل صدق و وفاء و اخوان مودة و صدق، و هم الذين يزورون الحجر و الحجون، و هم أميال بيته و قواعده و عمده، لما هم عليه من صدق الولاية و العقيدة التي هي الذخيرة ليوم العرض، و هو في قوله هذا و مدحه لهم صادق التعبير و العاطفة و متأجج الأحاسيس و المشاعر لأنه يرى سلوكيته هذه تجاههم حياة له و نجاة و فوزا في الدنيا و الآخرة، و هذا صحيح إذا ما التزم السالك و صدق في التزامه و ثبت، و هو يهب فوق هذا و سواه كدعوة صارخة على الذين وقفوا عند الجدار، و سماع النعيق، و عدم سماع نداء الحق و دعوة الصدق، التي عليها أهل البيت و شيعتهم الفائزين، و أتباعهم المؤمنين في القديم و الحديث، و نظرته هذه في الواقع قد يراها الآخرون مغايرة لما هم عليه، و مباينة لما هم فيه، و كيف لا يكون ذلك و هو الذي يرى في أهل البيت المثل الأعلى و الاسوة الحسنة، و القدوة الطيبة في كل القيم، و المثل، و الأخلاق، و الآداب، و الفضائل، و المناقب، كما انه يرى على ان العبادات الإسلامية و الحدود الخمس، و ما يتفرع عنها من أصول و فروع، مضمونها و محتواها سعادة المؤمن، و لا تأخذ الشكل الصحيح و السليم و الكمال الروحي الا بهم، أي بأئمته الطاهرين المطهرين و المعصومين (سلام اللّه عليهم)، و هذا صحيح من الوجهة العقلية و المنطقية، و الشرعية، لأنهم أئمة عدل كما يقول دعبل الخزاعي:

أئمة عدل يقتدى بفعالهم‏

و تؤمن منهم زلة العثرات‏

و أئمة تقى كما يقول الفرزدق:

ان عدّ أهل الأرض كانوا أئمتهم‏

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم‏

و لهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضوع مناقب علي (عليه السلام) ما معناه، على ان العبادات من صلاة، و زكاة، و صوم، و حج، و جهاد، تسمو و تعلو بعلي (عليه السلام) و تزدان به و تسمو، كما الخلافة و الإمرة أيضا لا تزيده أو ترفعه، بل هي تزداد رفعة و سموا و منزلة به على خلاف‏

الهداية الكبرى، ص: 13

غيره من الصحابة، بينما غيره لا وزن له و لا قيمة الا بما يعمل و يمارس من سلوكية و سيرة حسنة، و لهذا و غيره اتخذ من جاء بعده و حتى الآن كعبة له و منارة و ملاذا في العلم، و الفكر، و الزهد، و الحكمة، و الورع، و الشجاعة، و الجرأة، و الاقدام، و الجود، و السخاء، و البذل، و العطاء، و الإيثار، و الفداء، و التضحية، و غيرها من الصفات الذاتية التي كان يتّسم بها بغض النظر عن هويات الأشخاص، و العباقرة، و المفكرين و الجهابذة، وقادة الرأي، و لذلك يرى المكزون، كما يرى غيره من معاصريه كالشريف الرضي في مقدمة النهج يجمع جميع المتناقضات في شخصيته الإنسانية، و الاسلامية، و العربية، و على هذا الرأي جميع أهل التحقيق، و الفضل، و العلم، و النقل. و لذلك يرى المكزون على أن آل الخصيبي من لم يسلك ما سلكوه أو يعتقد ما اعتقدوه فلا قيمة له و لا وزن، لأنه يعرف هؤلاء على نهج أهل البيت و هديهم، و ذهب على أن الذين لم يسلكوا أو يؤمنوا أو يعتقدوا بهم لم يقبل اللّه منهم عملا، و لم يفلحوا أو ينجحوا.

و هو في صورة هذه يعبر تعبيرا إسلاميا محضا و يشير دائما الى اخلاصه لهم، و التزامه بهم لأنه يرى في بني طريقته التي هي في رأيه زبدة فكر آل محمد (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و يرى المكزون ان العبادات من جميع النواحي تبقى صورية و شكلية ان لم يهجر، أو يكف، أو يرتدع عن المحارم، و المنكرات، و الخبائث، و الفواحش تمشّيا مع روح الشريعة الإسلامية السمحة قائلا:

لم أقض في حبكم حجي و لا تفثي‏

ان لم أرح هاجرا للفسق و الرفث‏

و عليه فالخصيبيون في نظره هم خاصة العترة الطاهرة، و يرى ان أتباعه، أي أتباع الحسين بن حمدان الخصيبي، إماميون مؤمنون بإمامة الأئمة من علي المرتضى (عليه السلام) إلى الحجّة (عليه السلام) صاحب العصر و الزمان، و يرون أنه لا معنى لعمل شرعي أخروي أو دنيوي ما لم يكن مضمونه و محتواه مشروطا بولاية الأئمة و الإيمان بهم، و على انهم بهم يحاسب‏

الهداية الكبرى، ص: 14

اللّه سبحانه، و بهم يثيب كما هو معروف و مشهور لدى الإمامية لشهرته، و لشهرته أعرضنا عنه و لم نأت على ذكره أو إيراده هنا، و عليه فالشيعة العلويون الذين يسكنون في سوريا في كل مدنه و قراه، و خصيصا في الساحل الغربي من القطر هم من أتباعه و الملتزمين به و على طريقه لأنه لم يخرج في اعتقادهم عن الشريعة الإسلامية السمحة ككل و عن مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بخاصة، و الشيخ أبو عبد اللّه شيخهم الروحي عاش في كنف الدولة الإسلامية الحمدانية الشيعية المؤمنة في القرن الرابع الهجري على وجه التحديد، و هذا الأمير المؤمن سيف الدولة ابن حمدان أجمعت عليه كلمة المؤرخين على أنه هو الأمير المشهور بعقيدته الصادقة و حبّ آل البيت (عليهم السلام)، و الباحث لدى معاصريه من الشعراء و الأدباء و الفلاسفة، و الكتّاب، و المؤرخين، و في طليعتهم الشاعر أبي الطيّب المتنبي الذي امتدح الأمير في خيرة شعره و أدبه، لأنه رأى فيه الأمير العربي و المسلم الذي يمثل روح الإسلام و العروبة على حدود الرسوم، كما رأى المكزون في قومه الخصيبيين الروح نفسها، و الصورة ذاتها، و من هنا وجد الحسين بن حمدان غايته في هذا الأمير المؤمن الصادق للشجرة الطيبة آل محمد (عليهم السلام)، كما انه في القرن الرابع الهجري هو الذي أعطى العروبة هذا البعد الصحيح و هذا الفكر الواضح، و تلك الرؤية الصادقة الصحيحة المتمثلة في شريعة الإسلام، و سيرة العترة الطاهرة، اعتقادا، و ممارسة، و تطبيقا.

و نعود إلى موضوع الهداية الكبرى،

فهي من الوجهة التاريخية، تراثية إسلامية، و من الوجهة العقائدية فهي إسلامية الأصول و الفروع، تدور موضوعاتها عن المعصومين الأربعة عشر بدءا من الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و ابنته الزهراء البتول الطاهرة المعصومة (عليها السلام) و الأئمة الاثنى عشر بدءا من علي المرتضى الى الإمام الحجّة صاحب العصر و الزمان، و هي تتحدث على غرار و شاكلة الكتب الإمامية المعتمدة عند الإمامية كالبحار، و عيون المعجزات، و غيرها من الكتب كالحديث عن‏

الهداية الكبرى، ص: 15

مناقب و فضائل و معاجز الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، بشكل يكاد العقل ألّا يصدّق هذه المعجزات، و لكن الباحث الإسلامي و الدارس الملتزم يرى صحة هذه المعاجز الخارقة أمرا صحيحا، و لكن المشكك لا يستبعد عنه أن يشك في أصل الشريعة الإسلامية، القرآن الكريم مثلا، فالمسألة مسألة إيمان و عقيدة، و سيرة عطرة، لا مسألة جدل عقيم، و نقاش حاد لا جدوى فيه و لا نفع، و أهل البيت (سلام اللّه عليهم) من تتبع سيرتهم، و تقصى أخبارهم لدى المؤالف و المخالف، و الموالي و غير الموالي يجدهم و يرى في سيرتهم العطرة صفحة مشرقة ناصعة في جبين التاريخ و الإنسانية جميعا، كما انه يرى في ذكرهم و عملهم مثلا أعلى لغيرهم من عظماء التاريخ، و قادة الرأي، و جهابذة الفكر، و فلاسفة الحكمة، و حكماء الحقيقة، و يرى فيهم أيضا ثورة عارمة في الحياة و الممات على الظالمين، و المستكبرين، و المنافقين، و الغادرين، و التجار، و المروّجين في كل عصر و زمان، و لذلك اتخذهم الناس جميعا مرجعا لهم في كل معضلاتهم أمورهم الثقافية، و العسكرية، و الاقتصادية، و السياسية، و الادبية، و العلمية، و الاخلاقية، و السلوكية، و هذه الصفات الذاتية أمور مسلّم بها و بديهية أيضا، إذن فلا غرر بعد هذا و ذاك ألا تشكك في مضمون الهداية من معاجز خارقة لهم و مناقب رائعة، و فضائل عظيمة، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، و عليه أقول أن العبادات الخمس من صلاة، و زكاة، و صوم، و حج، و جهاد، تشرف غيرهم، بينما هذه العبادات تزداد بهم سموا، و علوا، و منزلة، و درجة، و كذلك الخلافة، و الإمارة، و الإمامة ان صح التعبير، زينت غيرهم، و رفعت سواهم، بينما هم، أي آل البيت (سلام اللّه عليهم) لم تزدهم رفعة، و درجة، و منزلة، بل هي ازدانت بهم و ارتفعت، و هذا ما قاله الإمام أحمد بن حنبل في فضائلهم (عليهم السلام).

إن الباحث الاجتماعي المنصف يرى هذا الاعتراف صحيحا دونما

الهداية الكبرى، ص: 16

مواربة، أو اشكال، أو التباس، و الجاحد لهذا و الناكر له سمّته العربية و أرباب العربية ناصبيا، و رحم اللّه الشاعر العربي الكبير المتنبي، حيث التقط هذا المعنى عند ما امتدح أحد العلويين الأشراف قائلا:

و أبهر آيات التهاميّ أنّه‏

أبوك و أجدى ما لكم من مناقب‏

إذا علوي لم يكن مثل طاهر

فما هو إلا حجة للنواصب‏

نعم و ألف نعم هو أبهر آيات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و رحم اللّه أيضا أبا علي شوقيا حيث كرر المعنى نفسه قائلا:

أما الإمام فالأعز الهادي‏

حامي عرين الحق و الجهاد

العمران يا خذان عنه‏

و القرآن نسختان منه‏

أصل النبي المصطفى و دينه‏

من بعده و شرعه‏

و صفحتاه مقبلا و مدبرا

و في الوغى و حين يرقى المنبرا

و الحجر الأول في البناء

و اقرب الصحب بلا استثناء

و جامع الآيات و هي شتى‏

و شدة القضاء باب الإفتا

و الكلام يطول في هذا الموضوع و يحتاج إلى مجلدات و مجلدات، و لعل و عسى أن نوفق مستقبلا للكشف عن هذا الكنز المغمور، و الإزاحة عن هذا الستار المحجوب لدى عامة المسلمين، لأن الهوى و العصبية قتلت علماء السوء احياءا و أمواتا و باعوا دينهم بدنياهم، هذه لمحة مختصرة عن الهداية، و نبذة متواضعة عنها.

و خلاصة القول، ان العلويين هم مسلمون، إماميون، جعفريون، يعتمدون أصول الشريعة الإسلامية عقيدة لهم و يطبقون أحكامها وفقا لمذهب الإمام السادس أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام) قولا و عملا، و سلوكية، و سيرة، و لا يرون بديلا عن الإسلام على الرغم من التعذيب، و التنكيل، و التشريد، و الذبح و القتل، بدءا من العصر الاموي و مرورا بالعباسي و انتهاءا بالعثماني البائد، لا لسبب إلا لأنهم رفضوا الولاء كلية

الهداية الكبرى، ص: 17

لأئمة الجور، و الضلال، و الفساد و اسوة بأئمتهم و قدوة بهم على مرّ العصور و الأزمنة[2]، و من هنا انهالت عليهم التهم الباطلة، و الافتراءات الكاذبة، و الصقوا بهم ما لا يليق بنا هنا في هذه المقدمة ان نذكره، أو نأتي على ذكره ترفعا و اباءا منا، و حرصا على وحدة الكلمة و رأب الصدع، و ضرب الفتنة و دفنها، و لم يسلموا من أذى الحكام الظالمين إلا في ظل الدولة الحمدانية في حلب الشهباء في القرن الرابع الهجري، لانسانية هذه الاسرة و أخلاقيتها العظيمة، و سيرتها العطرة، و نبلها العربي، و تسامحها الإسلامي، فهم إذن مسلمون، موحّدون، يؤمنون باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر.

و بمحمد، (صلى اللّه عليه و آله) نبيّا و رسولا، و بالقرآن دستورا و منهجا صالحا لكل عصر، و مكان، و زمان، و يقيمون الصلاة الى ذلك سبيلا و هم يتعبدون فقهيا و أحكاما على مذهب الإمام الصادق (عليه السلام) و الذي اعترف به مؤخرا من قبل شيخ الأزهر الشريف محمود شلتوت سابقا و لا زال معمولا به حتى الآن في مصر، و ما نسب إليهم من ارتكاب الموبقات، و إباحة المحرمات، و الكفر، و الإلحاد، فكله باطل و لا أساس له من الصحة و عار عن الحقيقة أولا و أخيرا، و يفتقر هذا الزعم الى دليل قطعي و يحتاج إلى برهان موضوعي، و انما واقعهم الصحيح و ما هم عليه يفند هذه المزاعم المفتعلة، و الأراجيف المختلقة من قبل المغرضين و الحاقدين، و انما كانت هذه الأقوال و تلك المقالات مجرد اهواء، و عواطف، و ميول، و رغبات من الآخرين لا تمت الى أصول الإسلام و فروعه بأي حقيقة أو موضوعية، و ما أكثر هذا الضرب من الأقوال في أذهان العامة و الهوى دائر لا علاج له، و العصبية مرض فكري موروث لا مناص منه و لا مفر الا من رحم ربّي و حكّم عقله و ترك هواه، و رفض موروثاته، و ما أقل هؤلاء قديما و حديثا و كأن المسألة لديهم أمر مستساغ و طبيعي، يعطون الإيمان لمن يريدون، و يلصقون التكفير لمن يشاؤون.

______________________________
(1). راجع مقاتل الطالبين للمؤرخ أبي الفرج الاصفهاني.

الهداية الكبرى، ص: 18

و هذه الفتاوى التي الصقت بهم من قبل الآخرين في أيامنا هذه، و التي هدفها التمزيق، و التفرقة، و خدمة الاستعمار و الامبريالية، و الصهيونية، فهي ليست في صالح الإسلام و المسلمين أبدا، و قد حدثت لهم هذه الضجّة المفتعلة في أيام الاستعمار الفرنسي البغيض، و ما يعرف بالانتداب المكذوب على غرار هذه الصيحة الموهومة في الوقت الراهن، و لكنّ علماءهم كعادتهم انبروا بشدة و عنف للرد على هذه و تلك بقول صريح للعالم الإسلامي للحقيقة و التاريخ، و الإسلام، و هذه صورة الجواب من قبل علمائهم آنئذ في تلك الفترة المريرة و المؤلمة، و التي نشرت في حينها في مجلة المرشد العربي لمنشئها الشريف عبد اللّه آل علوي الحسني ابن المغفور له الأمير الشريف حسن بن فضل باشا أمير ظفار، مطبعة الإرشاد، اللاذقية، عام 1357 ه، 1938 م، و هذه هي فتوى السادة العلماء لهم نسوقها الى المنصف الكريم الحرّ حرفيا، أمانة و وفاء منّا:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ القرآن الكريم.

قرأنا هذا البهتان المفترى على العلويين طائفة أهل التوحيد و نحن نرفض هذا البهتان أيّا كان مصدره، و نردّ عليه بأن صفوة عقيدتنا ما جاء في كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، و ان مذهبنا في الإسلام هو مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) سالكين بذلك ما أمرنا به خاتم النبيين سيّدنا

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَيْثُ يَقُولُ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى‏

الهداية الكبرى، ص: 19

الْأَرْضِ، وَ عِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا».

هذه عقيدتنا نحن العلويين، أهل التوحيد، و في هذا كفاية لقوم يعقلون.

مفتي العلويين في قضاء صهيون يوسف غزال، المحامي عبد الرحمن بركات، قاضي طرطوس علي حمدان، صالح ابراهيم ناصر، عيد ديب الخير، كامل صالح ديب، يوسف حمدان عباس، مفتي العلويين في قضاء جبلة علي عبد الحميد، الفقير للّه تعالى صالح ناصر الحكيم، حسن حيدر، قاضي المحكمة المذهبية في قضاء مصياف محمد حامد، في 9 جمادي الآخرة 1357 ه.

و هذه صورة أخرى عن فتوى الرؤساء الروحيين في صافيتا المنشورة في جريدة النهار أنقلها حرفيا أمانة و حقيقة للّه، و للتاريخ و للانصاف.

طالعنا في جريدتكم الغراء المؤرخ في 31 تموز سنة 1938 عدد 1448، مقالة لمراسلكم في اللاذقية تحت عنوان هل العليون مسلمون تتضمن المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين و تكفيره لهم بادعائه و زعمه أنهم ليسوا بمسلمين ينكرون- و العياذ باللّه و ناقل الكفر ليس بكافر- شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أنتم تدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، و تنكرون فكرة التوحيد.

لذلك فقد اجتمعنا نحن الرؤساء الروحيين في قضاء صافيتا، و اصدرنا الفتوى الآتية راجين نشرها بنفس الصحيفة التي نشرتم بها كلمة المراسل عملا بقانون المطبوعات، إن تصريحات المحامي المومأ إليه هي محض الكفر الصريح، و ان المسلمين العلويين باجماعهم المطلق يستنكرونها أشد الاستنكار، و يبرأون منها و من مثيريها الى اللّه و رسوله (صلى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم)، يعلنون في الدنيا و الآخرة إنهم على شهادة لا إله إلا اللّه،

الهداية الكبرى، ص: 20

و ان محمدا عبده و رسوله شهادة حق و صدق، فمن آمن منهم بالشهادتين و الوحدانية، فهو منهم و من جحدها فهو غريب عنهم كافر بهم، و من يتخذ من أتباع المسلمين العلويين مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لا بعادهم عن الدين الإسلامي الحنيف نعتبره بدعواه جاحدا للحق، ناكرا للصدق، عاملا بالباطل.

التواقيع: صافيتا في 3 آب 1938 الشيخ ياسين عبد اللطيف ياسين يونس، الشيخ علي حمدان قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بطرطوس، الشيخ يوسف إبراهيم قاضي المحكمة المذهبية الشرعية بصافيتا، الشيخ محمد محمود، الشيخ محمد رمضان، شوكت العباسي، الشيخ عبد الحميد معلا.

و هذه أيضا صورة عن البيان الذي نشره زعماء العلويين في جريدة النهار في العدد 1454، آب، سنة 1938:

المفتريات الكافرة التي نسبها المحامي إبراهيم عثمان لعقائد العلويين و تكفيره لهم بادعائه و زعمه أنهم ليسوا بمسلمين، ينكرون- و العياذ باللّه و ناقل الكفر ليس بكافر- شهادة ان لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أنهم يدينون بدين غريب يقوم على فكرة التثليث، و ينكرون فكرة التوحيد هي محض الكفر الصريح، و أن العلويين باجماعهم يستنكرونها الى أقصى حدود الاستنكار، و يبرأون منها، و من مثيريها، إلى اللّه و إلى رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و يعلنون في الدنيا و الآخرة أنهم على شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، شهادة حق و صدق، فمن آمن منهم بالشهادتين و الوحدانية، فهو منهم و من جحدها فهو غريب عنهم و كافر بهم، و من يتخذ من اتباع المسلمين العلويين مذهب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) سببا لا بعادهم عن الدين الإسلامي الحنيف يكون بدعواه جاحدا للحق ناكرا للصدق عاملا بالباطل و للباطل.

الهداية الكبرى، ص: 21

التواقيع للزعماء:

سلمان مرشد، شهاب ناصر، منير العباس، صقر خير بك، إبراهيم الكنج، علي محمد كامل، أمين رسلان.

و هذه أيضا صورة عن الفتوى التي أفتى بها العلّامة الكبير و الحجّة الشيخ سليمان أفندي الأحمد شيخ الإسلام و المسلمين في حينه و مرجع اللغة، و الأدب، و الفكر، و الخلق الحسن، و عضو المجمع اللغوي آنئذ في دمشق و وقعها العلامتان الفاضلان الشيخ صالح ناصر الحكيم، و الشيخ عيد ديب الخير:

قال الشيخ العالم العامل المخلص خدمة للإسلام، و المسلمين، و الحقيقة، و التاريخ، الشيخ سليمان الأحمد قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ‏ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏، و يستمرّ قائلا في فتواه حرفيا:

رضيت باللّه تعالى ربا، و بالإسلام دينا، و بالقرآن كتابا، و بمحمد بن عبد اللّه رسولا، و نبيا، و بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) إماما برئت من كل دين يخالف دين الإسلام، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، هذا ما يقوله كل علويّ لفظا و اعتقادا، و يؤمن به تقليدا أو اجتهادا، هذا ما حصلت عليه و حققته، و أكدته على أنهم مسلمون إماميون أولا و أخيرا، شاء الخصم أم أبى، و ليس لديهم من الهوى أكثر من غيرهم، و هم و غيرهم في هذا سواء، و قد يفوقهم الآخرون كثيرا في الاسراف، و الافراط، و الخروج عن المألوف، و قد يكونون هم معتدلين الى حدّ ما عن غيرهم، لأن أئمتهم أئمة حق، و صدق، و عدل، و قدوة، و أسوة، و سيرة حسنة، و استقامة صحيحة على غرار منهجية جدهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و هي صورة منتسخة عن سيرة رسول اللّه و سنته، و هديه،

الهداية الكبرى، ص: 22

و قوله، و تقريره، و فعله، و قد ثبت هذا من طريق المعقول، و المنقول، و أهل العدل، و الانصاف، حتى اصبحت لهم مدرسة في تاريخنا الإسلامي فكرا، و عقيدة، و أدبا، و توغلت جذورها الى خارج المدرسة، لدى الآخرين من غير المسلمين أنفسهم إنسانيا، و عالميا، و هذا لم يكن لغيرهم أو سواهم، و انما انفردوا به عن الناس جميعا حتى اصبحوا المثل الأعلى لدى الآخرين عاليا في الالتزام الصحيح و الإيجابية الصحيحة، و الموضوعية الحقيقية قولا، و عملا، و ممارسة.

و هذا مرسوم تشريعي آخر للاعتراف السوري بمذهب آل البيت (عليهم السلام)، و هو المرسوم التشريعي رقم (3) نقله حرفيا للمنصف الكريم ليرى عن كثب اهتمام علماء هذه الطائفة المسلمة بمذهب الإمام الصادق (عليه السلام) و مدى تمسّكها به قولا و عملا، و سلوكية، لأنهم يعتقدون أن المذهب اصلا، و فرعا، و مجازا، و حقيقة هو أصل الإسلام، و لو لا المذاهب الاخرى لما قلنا أو سمينا مذهبا جعفريا لأن المذهب الجعفري لا يخرج أصلا، أو حقيقة عن حقيقتها، على أسس ثلاثة، و التي هي من مضمون المذهب الجعفري و معتقده تمشّيا مع الوحدة الإسلامية، و الالتزام بها خشية الفرقة و التمزيق و الاسى، هي التوحيد و النبوة و المعاد مما لا يختلف عليها مذهب دون آخر و إليك المرسوم أيها القارى‏ء الكريم ..

الهداية الكبرى، ص: 23

المرسوم التشريعي:

للاعتراف السوري بدمشق بمذهب آل البيت عليهم السلام المرسوم التشريعي رقم/ 3/ إن رئيس الدولة بناء على الأمر العسكري رقم 3 المؤرخ في 3/ 3/ 51. و بناء على المرسوم التشريعي رقم 257 بتاريخ 8 حزيران عام 1952، و بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 3/ تاريخ 14/ 6/ 1952. و بناء على المرسوم التشريعي رقم 23/ المؤرخ في 2 ربيع الثاني هجرية ه/ 30 كانون الأول 1951 م. و على وجوب عدد كبير من أهالي محافظة اللاذقية على المذهب الجعفري. و على اقتراح المفتي العام رسم ما يلي:

المادة الأولى:

يضاف إلى المادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 33 الفقرة التالية: تؤلف لجنة خاصة بالجعفريين من علمائهم في مركز محافظة اللاذقية قوامها ثلاثة أشخاص من العلماء الجعفريين و يضاف إليهم شخص واحد من كل قضاء عندما يتعلق البحث في قضائه. و يسمى اعضاء هذه اللجنة بقرار من المفتي العام من العلماء الأكفاء. مهمتها فحص حالة متدينين بالكسوة الدينية على المذهب الجعفري و الذين يرغبون ارتداء هذه الكسوة و اقرار من يحقّ لهم الاحتفاظ بها و من منح تتحقق اللجنة من انه دخيل على سلك رجال الدين من ارتدائها.

المادة الثانية:

ينشر هذا المرسوم التشريعي و يبلغ من يلزم.

دمشق في 15 حزيران عام 1952- الزعيم فوزي سلو.

الهداية الكبرى، ص: 24

صدر عن رئيس الدولة لمجلس الوزراء: الزعيم فوزي سلو: وزير الصحة و الاسعاف العام مرشد خاطر- وزير الزراعة عبد الرحمن الهنيد- وزير الدفاع فوزي سلو- وزير الخارجية ظافر الرفاعي- وزير العدل منير غنام- وزير الداخلية الزعيم فوزي سلو- وزير المالية محمد بشير الزعيم- وزير المصارف سامي طيارة- وزير الاقتصاد الوطني منير دياب- وزير الأشغال العامة و المواصلات توفيق هارون-

القرار رقم 8:

ان المفتي العام للجمهورية السورية:

بناء على المرسوم التشريعي رقم/ 3/ في 15 حزيران عام 1952 يقرر ما يلي:

المادة الأولى:

تؤلف لجنة فرعية في مركز محافظة اللاذقية من السادة حضرة صاحب السيادة الشريف عبد اللّه رئيسا، الشيخ علي حلوم مفتي قضاء اللاذقية عضوا- الشيخ عبد ديب الخير- عضوا- يشترك مع هذه اللجنة الفرعية المذكورة عضو واحد ليمثل القضاء المذكور حذاء اسمه كل من السادة: كامل حاتم- عن قضاء اللاذقية- عبد اللّه عابدين- عن قضاء الحفة حيدر محمد أحمد- عن قضاء جبلة- يونس ياسين سلامة- عن قضاء بانياس عبد الهادي حيدر عن قضاء مصياف- محمود سليمان الخطيب- عن قضاء طرطوس. عبد اللطيف ابراهيم عن قضاء صافيتا- علي صالح حسن- عن قضاء تلكخ- فمهمة هذه اللجنة فحص كفاءة المتدينيين بالكسوة الدينية (على المذهب الجعفري) و الذين يرضون ارتداء الكسوة و اقرار من يحق له الاحتفاظ بها و منع من تحقق اللجنة انه دخيل على سلك رجال الدين في ارتدائها.

المادة الثانية:

ينشر هذا القرار و يبلغ من يلزم لتنفيذ أحكامه دمشق 17 شوال عام 1371/ ه 9 تموز 1952 م المفتي العامل للجمهورية السورية التوقيع محمد شكري الاسطواني رقم 3510/ 292 صورة الى محافظة اللاذقية- المفتي العام.

الهداية الكبرى، ص: 27

[مقدمة المؤلف‏]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) ابتدأنا بعون اللّه و قوته، و بركة أسمائه، و جلاله و اسمه و بابه، و أهل مراتب قدسه، و عالم أنسه و ملكه، و أن يوصلنا بهم إلى الرضى و بلوغ المنى.

و هو سماعه من الرجال الثقات، الذين لقيهم (رضي اللّه عنهم أجمعين)، منهم من عاشر الموليين السيدين الإمامين العسكريين (صلوات اللّه عليهما)، و روى عن ما يشتمل على أسماء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أسماء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في السريانية و العبرانية و جميع اللغات المختلفة، و أسماء فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها) و على الأئمة الراشدين الحسن و الحسين ابني علي، و علي بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد، و موسى بن جعفر، و علي بن موسى، و محمد بن علي، و علي بن محمد، و الحسن بن علي، و محمد بن الحسن (الحجة) سميّ جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و كنيته بجده، و لقبه المهدي و الغائب و المنتظر (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و أسمائهم و كناهم- الخاص و العام منهم- و أسماء أمهاتهم، و مواليدهم، و أولادهم، و براهينهم، و دلائلهم، و وفاة كل منهم، و شاهدهم و أبوابهم، و الدلالة من كتاب اللّه (عز و جل) و الأخبار المأثورة المروية بالأسانيد الصحيحة، و فضل شيعتهم، نفعنا اللّه بهم جميعا إنه على كل شي‏ء قدير، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و هو رب العرش العظيم.

الهداية الكبرى، ص: 29

[خطبة المؤلف‏]

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) الحمد للّه مبدى‏ء الحمد و باريه، و مقدره و قاضيه، و الآمر به و راضيه، جزاء من عباده عن نعمة، و المستوفي لهم جزيل قسمه، و المزحزح عنهم حلول نقمه، الفارض له عليهم، الحاتم فيما انزله اليهم، المستحق على هدايته لهم حمده على نعمه، إذ كان حمدهم له على نعمه نعمة أنعمها منه عليهم، الذي لم تدرج نوره الدّياجي، و لم تحط بقدرته الأماكن، و لم تستقل، بذات كبريائه المعادن، و لم تستقر لجلال ملكوته المواطن.

الأول لا أول مكيف، و الآخر لا آخر مستحدث، الدائم في أزليته، الباقي في ربوبيته، الشاهد على خليقته، فاطر المخلوقين بحسن تدبير الحكمة، و مكوّنها أجساما و أشخاصا، و أشباحا و أرواحا، و صورا مختلفة و غير مختلفة، و متشابهة و غير متشابهة.

الذي لم تكله قدرته فيما خلق الى ظهير، و لم تدعه مبهرات عجائب ما فتق و رتق الى مستعين به في أمره و مشير، المظهر فيما ذرأه و برأه مما شوهد بعيان، و استدل عليه ببرهان، بدائع تحسر عقول المخلوقين عن بلوغ تحديدها، و المستشهد عند ذوي العلم و العقول، خلق السنتهم و أنفسهم و ألوانهم و لم يحيطوا به علما، و لم يبلغوه فهما، اذ لا صانع لهم دونه، و لا مركب لهم في تأليف غيره، و لا متقن في تصنيف، و لا مدبر في تأليف غيره.

الهداية الكبرى، ص: 30

أحسن كل شي‏ء خلقه، الذي لم يعزب عنه علمه في ديجور طبقات السماوات، و لا في دياجي ظلمات الأرضين المدحيات، و لا في قعر البحور الزاخرات، و لا كائن من المخلوقين إلا احاط به قوة و علما و اقتدارا و سلطانا.

الذي لم يفته متعزز بفناء و اكثار، و لا ذو بطش جبار، متقلبا في كبريائه، و لا متقلب في ليل و لا في نهار، و لا بغرور، ممتنع ببهاء و أوطار، و لا يحتوي بمدى عمر ذي اقطار فيدركه طلب بمستعان، بل أشفى بطوله بريته، و شمل بحوله خليقته، وسعت كل شي‏ء رحمته، لطفا و امتنانا فهو في ازل قديم أزليته غير مشهود، و في كمال كليته غير محدود، و لا مدرك بلحاظ عيون الناظرين، و لا بحواس خواطر عقول العارفين موجود، و لا مقر بهم عن بلوغ ذلك منفردا، بل هو في ظواهر حكم صنعته و مراضي قضاء قدرته، و نفوذ سلطان عزه، و تفرده بالصمدية معروف غير مجحود، و هو في حال فقر عباده إليه اعتمام ما خولهم إياه، و لا يتعاظم و ان كبر عند المرزوقين، و لا ينقصه عطاؤه اياهم لأنه ليس بمحدود من خزائنه، و لا يغيظه تمرد المتمردين عليه، و ان استكبروا عن أداء الشكر له على ذلك في حال طاعتهم و معصيتهم إياه فهو على كل حال محمود.

و كيف لا يكون ذلك، و زمام كل شي‏ء في قبضته؟ و قضاء قدرته؟

يحكم فيه و لا يحكم عليه، و الأشياء خاشعة له، و هو على كل شي‏ء قدير.

و هو اللّه الذي نشهد ان لا اله الا هو، وحده لا شريك له في ملكه، و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون.

اللهم أنزل زاكيات صلواتك، و مكرمات بركاتك و تحنن رأفتك، و واسع رحمتك، و طيبات تحياتك و فوز جناتك على محمد عبدك و رسولك‏

الهداية الكبرى، ص: 31

و نبيك، و صفوتك و خيرتك من خلقك، و على علي أخيه امير المؤمنين، و نور العارفين، و إمام المتقين، و قائد الغرّ المحجلّين، و أفضل الوصيين، و الأئمة الراشدين، و على الحسن الزكي في الزاكين، و على الحسين الشهيد، الصابر في المحنة طهر الطاهرين، و على علي سيد العابدين، و على محمد باقر علم الأولين و الآخرين، و على جعفر الصادق في الناطقين، و على موسى نورك الكاظم في الكاظمين، و على علي الرضا في المؤمنين، و على محمد المختار في صفوتك المختارين، و على علي الهادي في الهادين.

و على الحسن المنتجب المستودع سرك في المستودعين.

اللهم أصلح باصلاحك الكامل المبلغ ما بلغته المؤمنين من عبادك، عبدك الزكي الذي استخلصته لنفسك، و خليفتك الذي استخلفته في خلقك، و أمينك الذي ائتمنته على مكنون علمك، و حجتك التي اتخذتها على أهل سماواتك و أرضك، و عينك الناظرة التي حرست بها نعمك عند أوليائك، و يدك التي تقبض بها و تبسط أمرك و نهيك، و لسانك الناطق المبين برحمة كنه غيبك و وحيك و وجهك الدال عليك في وحدانيتك، و صراط دينك المستقيم، و سبيل رشادك المفهوم، و منهج هدايتك المعلوم، الصادق الناطق، الفاتق الراتق، الآمر بطاعتك، الناهي عن معصيتك، المرجيّ لثوابك، المحذر من عذابك، حجتك و ابن حجتك و صفوتك و ابن صفوتك، و خيرتك و ابن خيرتك، و انيسك من خلقك و وصيك سمي جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله الطاهرين) الإمام المهدي حجتك يا رب العالمين، الذي خلقته نورا للمؤمنين و قدوة للمقتدين، و ملاذا للائذين، و كهفا للّاجئين، و أمانا لعبادك المرعوبين، ناصر المضطرين و مدرك وتر المغلوبين، و الآخذ بحق المغصوبين، مجلي الروعات، و كاشف الكربات، و مزحزح الضلالات، و مزهق المعطلات، و مشفي الخواطر المضنيات، و مزيل الفكر المخربات، و فاتح القلوب المقفلات، و مبصر العيون المسملات، و مسمع الآذان الصمّات، و محق الكلمات التامات،

الهداية الكبرى، ص: 32

الفتح الاكبر، و النصر الاظفر، و الأمل المنتظر، منتهى رغبة الراغبين، و غاية منية الطالبين، و أحمد عواقب الصابرين، و حبيب قلوب المؤمنين، و فرجا لعبادك المختارين، رحمة منك لهم يا رب السماوات و الأرضين.

اللهم أنجز له كلّ وعدك، و حقق فيه موعدك، و أستخلفه في ارضك كما وعدتنا به.

اللهم أورثه مشارق الأرض و مغاربها التي باركت فيها، و مكن له دينك الذي ارتضيته له، و ثبت بنيانه، و عظم شأنه، و أوضح برهانه، و علّ درجته، و أفلج حجته، و شرّف مقامه، و أمض رأيه، و اجمع شمله، و انصر جيوشه و سراياه و مرابطيه، و أنصاره و أشياعه، و أتباعه و أعوانه، و حزبه و جنوده و أحباءه و خيرته و أولياءه و أهل طاعته.

اللهم انصرهم نصرا عزيزا، و افتح له فتحا مبينا، و اجعل له من لدنك على عدوك و عدوه سلطانا نصيرا. اللهم و أمدده بنصرك بملائكتك و بالمؤمنين، و اجعلنا له حواريين، ننصره حتى نعزّره و نقره و نؤمن به و نصدقه و نعزه و نعز به.

اللهم فاكشف عنا به العمى، و أذهب به عنا الضر، و اهدنا به سبيل الراشدين، و تول نصر دينك على يد وليك، و اجعلنا ممن جاهد في سبيلك، و طهر الأرض بإظهاره من القوم الظالمين حتى لا تكون فتنة، و يكون الدين لك يا رب العالمين.

اللهم أظهره، و أعزّ باظهاره و اظهارك له أولياءك وزد في أعمارهم، و أيده و أيّد به و أعلنه و لا تخفيه، و امحق قبل اظهارك له اعداءك و أعز أولياءك، و زد في أعمارهم و طول في آجالهم، و تمم أيامنا و لا تقصّر مددنا، و لا تمتنا بحسرة من لقاء سيدنا حتى ترينا وجهه، و تشهدنا شخصه، و أسمعنا كلمته، و تنجينا في أيامه، و ترزقنا نصرته في أعمالنا و نياتنا و قلوبنا، و شرفنا في دولته الزاكية المباركة الطاهرة المرضية فإنما نحن‏

الهداية الكبرى، ص: 33

أولياؤك يا رب العالمين.

اللهم و أنزل اللعنة الكافية، المغضبة المردية، المخزية المخسرة المدمرة على أعدائك و أعداء ملائكتك و أنبيائك و رسلك و أصفيائك و أوليائك المخلصين، من الظالمين الأولين و الآخرين، و على أشياعهم و أتباعهم و أحبائهم و حزبهم و جندهم و رعيتهم، و من تابعهم بقلبه و عمله، و من أحمد لهم رأيا و أمرا، و رضي لهم فعلا و استطال لهم رأيا، و قال فيهم خيرا، و دفع عنهم شرا، و زدهم عذابا ضعفا في النار، و العنهم كثيرا، و اصلهم سعيرا، و لقهم ثبورا، و تبّرهم فيها تتبيرا، و لا تذر منهم كبيرا و لا صغيرا، و أدخلهم في العذاب، و لا تخفف عنهم يوما منه، و خلدهم في الدرك الاسفل من النار، و عذبهم عذابا لا تعذب به احدا من العالمين، و طهر الأرض منهم اجمعين، و من بدعهم و خلافهم و جحدهم و جورهم و ظلمهم و غضبهم و غشهم و آثامهم و أوزارهم و مكرهم و خداعهم و سيئاتهم، و اجعل الأرض منهم جميعا قاعا صفصفا، لا نرى فيها عوجا و لا أمتا.

و اجعلنا ممن برى‏ء اليك من أعمالهم و التباسهم و جرائرهم، و ثبتنا على ما اليه هديتنا من موالاة اوليائك و عداوة اعدائك، و اجعلنا من الموفين بعهدك و عقدك و ميثاقك الذي الهمتنا لسعادتنا، و لا تضلّنا بعد اذ هديتنا، و زدنا بصيرة و ايمانا، و يقينا و رضى و تسليما، و لا ترنا حيث نهيتنا و لا تفقدنا من حيث أمرتنا أبدا ما أبقيتنا، بطولك و منك يا أرحم الراحمين و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم، و هو حسبنا و مرجانا، و عليه توكلنا.

الهداية الكبرى، ص: 35

الباب الأول باب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

الهداية الكبرى، ص: 37

قَالَ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْبَزَّازُ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ السَّبِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيُّ، عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَ هُوَ الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ...

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ صفر [صُقَيْرٍ]، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرْبَانِيُّ الْمُتَطَبِّبُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ:

سَأَلْتُ سَيِّدَنَا أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، عَنْ أَعْمَارِ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) فَقَالَ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ): حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

الهداية الكبرى، ص: 38

مَا رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ...

مَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَنِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ، الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَقَالُوا جَمِيعاً: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَضَى، وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ سِتُّونَ سَنَةً مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُنَبَّأَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ثَلَاثاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً، بِمَكَّةَ وَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَارِباً مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً، وَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَ قُبِضَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ.

أسماؤه:

وَ كَانَ اسْمُهُ فِي الْقُرْآنِ‏ مُحَمَّدٌ*، وَ أَحْمَدُ، وَ يس‏، وَ طه‏، وَ ن‏، وَ حم عسق‏، وَ الْحَوَامِيمُ السَّبْعَةُ، وَ النَّبِيُّ، وَ الرَّسُولُ، وَ الْمُزَّمِّلُ‏، وَ الْمُدَّثِّرُ، وَ الطَّوَاسِينُ الثَّلَاثَةُ، وَ كُلُّ أَلِفٍ وَ لَامٍ وَ مِيمٍ وَ رَاءٍ وَ صَادٍ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَ كهيعص‏ وَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى آدَمَ (صلى اللّه عليهما) بِالسُّرْيَانِيَّةِ- مُفَسَّراً بِالْعَرَبِيَّةِ- النَّبِيُّ وَ الْمَحْمُودُ، وَ الْعَاقِبُ، وَ النَّاجِي، وَ الْحَاشِرُ، وَ الْبَاعِثُ، وَ الْأَمِينُ.

وَ كَانَ اسْمُهُ فِي التَّوْرَاةِ الْوَفِيُّ، وَ مادالماد.

وَ فِي الْإِنْجِيلِ: الْفَارَقَلِيطُ.

وَ فِي الزَّبُورِ: مُهَيْمِناً، و طاب‏طاب.

كنيته و ألقابه:

أَبُو الْقَاسِمِ: وَ أُمُّهُ آمِنَةُ ابْنَةُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ‏

الهداية الكبرى، ص: 39

كِلَابِ، بْنِ مُرَّةَ.

وَ أَلْقَابُهُ (صلى اللّه عليه و آله): صَفِيُّ اللَّهِ، وَ حَبِيبُ اللَّهِ، وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، وَ الْأُمِّيُّ وَ الْمُنْتَجَبُ، وَ الْمُخْتَارُ، وَ الْمُجْتَبَى، وَ الشَّاهِدُ، وَ النَّذِيرُ، وَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ، وَ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ، وَ الرَّحْمَةُ، وَ الْمُبَلِّغُ وَ الْمُصْطَفَى.

وَ مَشْهَدُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَ اسْمُهَا يَثْرِبُ وَ طَيْبَةُ.

أولاده:

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَهْوَازِيِّ- وَ كَانَ عَالِماً بِأَخْبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)- قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الزَّاهِرِيُّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، وَ هُوَ الْقَاسِمُ الْأَسَدِيُّ- لَا الثَّقَفِيُّ- عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ: وُلِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ خَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) الْقَاسِمُ، وَ بِهِ يُكَنَّى، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ الطَّاهِرُ، وَ زَيْنَبُ، وَ رُقَيَّةُ، وَ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَ كَانَ اسْمُهَا آمِنَةَ، وَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، وَ كَانَتْ أَمَةً أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ مَلِكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.

فَأَمَّا رُقَيَّةُ: فَزُوِّجَتْ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَمَاتَ عَنْهَا، فَزُوِّجَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ‏

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نَادَى فِي أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ، وَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ضَمِنْتُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ مَالِي، فَتَضْمَنُ لِيَ الْبَيْتَ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَنْفِقْ عَلَيْهَا يَا عُثْمَانُ، وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ.

فَأَنْفَقَ عُثْمَانُ عَلَى الْجَيْشِ وَ الْبِئْرِ مِنْ مَالِهِ طَمَعاً فِي ضَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 40

(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أُلْقِيَ فِي قَلْبِ عُثْمَانَ أَنْ يَخْطُبَ رُقَيَّةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ رُقَيَّةَ تَقُولُ لَكَ لَا تُزَوِّجُكَ نَفْسَهَا إِلَّا بِتَسْلِيمِ الْبَيْتِ الَّذِي ضَمِنْتُهُ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْجَنَّةِ تَدْفَعُهُ إِلَيْهَا بِصَدَاقِهَا، فَإِنِّي أَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِي لَكَ الْبَيْتَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهَا إِنْ مَاتَتْ رُقَيَّةُ أَوْ عَاشَتْ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَشْهَدَ عَلَى عُثْمَانَ فِي الْوَقْتِ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ الْبَيْتَ لَهُ، وَ أَنَّ الْبَيْتَ لِرُقَيَّةَ دُونَهُ، لَا رَجْعَةَ لِعُثْمَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِيهِ، إِنْ عَاشَتْ رُقَيَّةُ أَوْ مَاتَتْ. ثُمَّ إِنَّ رُقَيَّةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَجْتَمِعَ بِعُثْمَانَ، وَ لِهَذَا السَّبَبِ زَوَّجَتْ رُقَيَّةُ نَفْسَهَا..

وَ أَمَّا زَيْنَبُ: فَزُوِّجَتْ مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ بِنْتاً سَمَّاهَا أُمَامَةَ، فَتَزَوَّجَ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ).

و أَمَّا أُمُّ كُلْثُومَ: فَإِنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ، وَ مَاتَتْ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلْيِه وَ آلِهِ).

وَ رُوِيَ‏ أَنَّ زَيْنَبَ كَانَتْ رَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ جَحْشٍ بَعْدَ خَدِيجَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

وَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْخَبَرُ، وَ لَا مَلَكَ خَدِيجةَ أَحَدٌ غَيْرُ رَسُولِ اللَّه وَ لَا مَلَكَ زَوْجَةً غَيْرَهَا حَتَّى تُوُفِّيَتْ.

أزواجه:

وَ كَانَتْ مِنْ أَزْوَاجِهِ بَعْدَهَا أُمُّ أَيْمَنَ، وَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ- وَ كَانَتْ أَمَةً- أَفْضَلُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ بَعْدَهُنَّ صَفِيَّةُ، وَ زَيْنَبُ زَوْجَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.

وَ الْمَذْمُومَاتُ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ، وَ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَ هُنَّ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِنَ‏ عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً، وَ هَذَا أَوْضَحُ دَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ شَيْ‏ءٌ.

الهداية الكبرى، ص: 41

وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ وَ قَوْلُهُ: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ قَدْ عُرِفَ مَنْ خَرَجَ وَ تَبَرَّجَ وَ شَهِدَ عَلَى أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أَنَّهُنَّ إِذَا عَصَيْنَ عُذِّبْنَ بِالنَّارِ.

وَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ‏

وَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بَيْنَ ثَلَاثَ عشر [عَشْرَةَ] امْرَأَةً وَ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ أَزْوَاجٍ.

. دلائله و براهينه:

و من دلائلِهِ و براهينِهِ (عليه السلام).

1- مَا رَوَاهُ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَلِيٍّ الْبَلْخِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ أَصَابَهُ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَمَرَّ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ هَلْ عِنْدَكَ طَعَامٌ نَطْعَمُهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً وَ اصْطَفَاكَ عَلَى الْبَشَرِ مَا طَعِمْتُ طَعَاماً مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَخَذَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِيَدِهِ وَ انْطَلَقَا فَإِذَا هُمَا بِالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ، وَ أَبِي ذَرٍّ، وَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَ أَحَدِكُمْ طَعَامٌ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ جَمِيعاً مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُهْدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ الْجَنَّةَ أَنْ تَتَهَيَّأَ بِأَحْسَنِ هَيْئَتِهَا فَتَهَيَّأَتْ، وَ قَالَ لَهَا: يَا جَنَّتِي لِمَنْ تُحِبِّينَ أَنْ يَسْكُنَكِ؟ فَقَالَتْ: أَحَبَّ خَلْقِكَ عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهَا: إِنِّي جَعَلْتُ سُكَّانَكِ مُحَمَّداً رَسُولِي وَ أَهْلَ بَيْتِهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَ أَصْحَابَهُ وَ شِيعَتَهُ)

الهداية الكبرى، ص: 42

وَ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَصْحَابِي وَ شِيعَتِي وَ شِيعَةُ أَهْلِ بَيْتِي وَ عِتْرَتِي، ثُمَّ أَخَذُوا فِي طَرِيقِهِمْ فَمَرُّوا بِمَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَلَمْ يَلْقَوْهُ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي ادْخُلْ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ، فَإِنَّ سَعْداً يَأْتِيكَ السَّاعَةَ، فَدَخَلَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ جَمِيعاً فَأَرَادَتْ أَنْ تَذْبَحَ عَنْزاً لَهُمْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا ذَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أَذْبَحُ هَذِهِ الْعَنْزَةَ لَكَ وَ لِأَصْحَابِكَ، فَقَالَ لَهَا: لَا تَذْبَحِيهَا فَإِنَّهَا عَنْزَةٌ مُبَارَكَةٌ وَ لَكِنْ قَرِّبِيهَا مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا لَيْسَ لَهَا لَبَنٌ، وَ هِيَ سَمِينَةٌ، وَ قَدْ عَقَرَهَا الشَّحْمُ، فَلَمْ تَحْمِلْ. قَالَ قَرِّبِيهَا إِلَيَّ فَأَدْنَتْهَا مِنْهُ فَمَسَحَ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ عَلَى ظَهْرِهَا فَأَنْزَلَتْ لَبَناً فَاحْتَلَبَهَا، وَ نَزَعَ الْإِنَاءَ فَشَرِبَ وَ أَسْقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ.

ثُمَّ قَالَ لَهَا: يَا أُمَّ مَالِكٍ إِذَا أَتَاكِ سَعْدٌ فَقُولِي لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ: إِيَّاكَ أَنْ تُخْرِجَ هَذِهِ الْعَنْزَ مِنْ دَارِكَ، فَإِنَّهَا مِنْ قَابِلٍ تَحْمِلُ وَ تَضَعُ ثَلَاثَ سَخْلَاتٍ فِي بَطْنٍ، وَ يَحْمِلْنَ جَمِيعُهُنَّ مِنْ قَابِلٍ وَ تَضَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْبَعَ سَخْلَاتٍ فِي بَطْنٍ.

ثُمَّ نَظَرَ فِي دَارِهِ وَ إِذَا هُوَ بِبَقَرَةٍ حَمْرَاءَ فَقَالَ لِامْرَأَةِ سَعْدٍ: قُولِي لِسَعْدٍ:

يَسْتَبْدِلْ بِهَذِهِ الْبَقَرَةِ بَقَرَةً سَوْدَاءَ، فَإِنَّهَا تَضَعُ عِجْلَتَيْنِ بِبَطْنٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَحْمِلَانِ عَنْ قَلِيلٍ مَعَ أُمِّهِمَا فَيَضَعْنَ جَمِيعاً اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَ رَأَى فِي جَانِبِ دَارِهِ نَخْلَةً أَشَرَّ مَا يَكُونُ مِنَ النَّخْلِ فَصَعِدَ إِلَيْهَا وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا بَرَكَتَهُ، فَحَمَلَتْ حَمْلًا حَسَناً وَ أَرْطَبَتْ رُطَباً حَسَناً لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ رُطَبٌ مُشْبِهُهُ وَ لَا رُؤِيَ مِثْلُهُ، وَ دَعَا لِسَعْدٍ وَ أَهْلِهِ بِالْبَرَكَةِ.

وَ بَشَّرَهَا بِغُلَامٍ وَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْتُكَ بِأَبِي وَ أُمِّي أَنَا حَامِلٌ، فَادْعُ لِي، فَدَعَا لَهَا أَنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهَا غُلَاماً ذَكَراً سَوِيّاً. وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ) وَ مَنْ مَعَهُ وَ أَقْبَلَ سَعْدٌ إِلَى أَهْلِهِ فَأَخْبَرَتْهُ بِدُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 43

السَّلَامُ) وَ الْمِقْدَادِ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لَهَا وَ مَا فَعَلَ بِالْعَنْزِ وَ الْبَقَرَةِ وَ النَّخْلَةِ، وَ مَا بَشَّرَهَا بِهِ وَ دُعَاءَهُ لَهَا فَفَرِحَ سَعْدٌ بِذَلِكَ وَ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعْدُ أَخْبَرَتْكَ أُمُّ مَالِكٍ بِمَا قَالَتْ وَ قُلْتُ لَهَا قَالَ: نَعَمْ. قَالَ اسْتَبْدِلْ بِبَقَرَتِكَ بَقَرَةً سَوْدَاءَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَهَبُ لَكَ مِنْهَا عِجْلَتَيْنِ، وَ يُولَدُ لَكَ غُلَامٌ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَا خَرَجَتْ تِلْكَ السَّنَةُ حَتَّى وَهَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا غُلَاماً، وَ رُزِقَ جَمِيعَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَا مَضَى لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا وَ أَخَصَّهُمْ بِهَا رَجُلًا وَ كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَكْثَرَ مَا يَأْتِي هُوَ وَ أَصْحَابُهُ إِلَى مَنْزِلِ سَعْدٍ.

2- وَ عَنْهُ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ رَجُلًا مَلِيّاً كَثِيرَ الْمَالِ، وَ كُنْتُ أُقْرِي الضَّيْفَ، وَ أُجِلُّ وَ أَجْبُرُ، وَ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ كَانَ لِلَّهِ عَلَيَّ نِعْمَةٌ، فَذَهَبَ جَمِيعُ مَا كُنْتُ أَمْلِكُ مِنْ قَلِيلٍ وَ كَثِيرٍ، فَشَمَتَ بِي أَقَارِبِي وَ أَهْلُ بَيْتِي فَكَانَتِ الشَّمَاتَةُ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ وَ مَا ابْتُلِيتُ بِهِ قَالَ: صَدَقْتَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْتَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:

مَنْ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ يَدْفَعُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحْضُرُنَا شَيْ‏ءٌ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا: ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَهُ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً، وَ رَفَعَ مُصَلًّى كَانَ تَحْتَهُ وَ إِذَا بِسَبِيكَةِ ذَهَبٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ:

خُذْهَا وَ اشْتَرِ بِهَا غَنَماً ضَأْناً، فَإِنَّهَا تَبْقَى عَلَيْكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: ادْعُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْثِرَ اللَّهُ مَالِي وَ وَلَدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَ وَلَدَهُ.

الهداية الكبرى، ص: 44

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَمَا مَاتَ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى وُلِدَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ وَلَداً ذُكُوراً، وَ عَشْرُ بَنَاتٍ، وَ كَانَ أَكْثَرَ الْعَرَبِ مَالًا وَ يُقَالُ: إِنَّ الْأَعْرَابِيَّ عَلْقَمَةُ بْنُ عِلَاقَةَ الْعَامِرِيُّ.

3- وَ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَصِيرُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْوَاقِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَ أَقَمْنَا إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلَيْنَا، فَانْطَلَقْنَا رَاجِعِينَ وَ كَانَ فِي طَرِيقِنَا رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ كَنِيسَتِهِ تَلَقَّانَا وَ التَّوْرَاةُ عَلَى صَدْرِهِ مَنْشُورَةً مُزَيَّنَةً، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَرَحَّبَ بِهِ وَ قَرَّبَهُ، وَ قَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْيَهُودِ، مَا لَكَ قَدْ سَعَيْتَ إِلَيْنَا بِالتَّوْرَاةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدْرِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنْزَلَةِ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: جَعَلْتُهَا وَسِيلَتِي إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِتَنْزِلَ وَ تَأْكُلَ مِنْ طَعَامِي، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَقَدْ تَوَسَّلْتَ بِعَظِيمٍ، وَ أَنَا مُجِيبُكَ يَا أَخَا الْيَهُودِ.

ثُمَّ نَزَلَ وَ نَزَلْنَا، فَإِذَا بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ قَدْ حَضَرَ وَ حَضَرَ مَعَهُ مَنْ تَوَلَّى إِصْلَاحَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَالَ الْيَهُودِيُّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ أَنَا مَا صَنَعْتُ طَعَامَكَ بِيَدَيَّ، بَلْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ دِينِكَ لِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّكَ تَكْرَهُ طَعَامَنَا أَهْلَ الْمِلَلِ قَبْلَكَ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ كَانَ عَلَى الطَّعَامِ خَرُوفٌ مَشْوِيٌّ، فَغَسَلَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ وَ غَسَلْنَا أَيْدِيَنَا، وَ مَدَدْنَا إِلَى الطَّعَامِ، وَ دَعَا بِالْبَرَكَةِ، وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْخَرُوفِ، فَثَغَا الْخَرُوفُ وَ اضْطَرَبَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَنْهُ وَ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يَا أَخَا الْيَهُودِ عَرَفْنَا تَوَسُّلَكَ وَ عَرَفْنَا التَّوْرَاةَ حَقّاً، وَ ضَيَّعْتَ مَا حَفِظْنَاهُ فِيكَ أَغْوَاكَ الشَّيْطَانُ حَتَّى رَأَيْتُ هَذَا الْخَرُوفَ وَ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا قَدْ عَرَفْتُهُ مِنْ نَفْسِي.

قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَإِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقّاً فَاسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُنْطِقَ هَذَا

الهداية الكبرى، ص: 45

الْخَرُوفَ كَمَا أَحْيَاهُ لَكَ فَيُخْبِرَكَ بِقِصَّتِنَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي ذَلَّ لَهَا مُلْكُكَ إِلَّا مَا أَنْطَقْتَ هَذَا الْخَرُوفَ بِهَذِهِ الْقَصْعَةِ، فَقَالَ الْخَرُوفُ فِي وَسَطِ الْقَصْعَةِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّ الَّذِي كَانَ سَمَّنِي لَكَ عَدُوُّكَ عَتِيقٌ وَ زُفَرُ صَارَا إِلَى هَذَا الْيَهُودِيِّ فَدَفَعَا إِلَيْهِ عِشْرِينَ دِينَاراً وَ عَهِدُوا لَهُ وَ لِقَوْمِهِ مِنَ الْيَهُودِ أَنْ لَا يُؤْذَوْا، وَ أَنْ لَا يُسْخَرُوا وَ لَا يُعَشَّرُوا، وَ لَا يُكْرَهُوا عَلَى شَيْ‏ءٍ يُرِيدُونَهُ، وَ أَنَّهُ دَسَّ السَّمَّ فِي الطَّعَامِ وَ تَلَقَّاكَ بِهِ، وَ قَالا لَهُ: الْقَهُ فِي التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ يُعَظِّمُهَا، وَ اسْأَلْهُ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ، وَ هَاكَ هَذَا الْخَرُوفَ وَ هَذِهِ الْعِشْرِينَ دِينَاراً، فَاتَّخِذْ بِهَا خُبْزَ الْبُرِّ وَ فَاخِرَ أَطْعِمَةِ الْأَعَاجِمِ طَبِيخاً وَ مَشْوِيًّا، وَ دُسَّ هَذَا السَّمَّ بِهَذَا الْخَرُوفِ فَفَعَلَ ذَلِكَ.

قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَ اللَّهِ لَقَدْ ظَنَنَّا أَنَّ شَنْبَوَيْهِ وَ حَبْتَرَ- لَعَنَهُمَا اللَّهُ قَدْ مَاتَا، لِأَنَّهُمَا طَأْطَئَا وُجُوهَهُمَا.

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ارْفَعَا رُؤُوسَكُمَا، لَا رَفَعَ اللَّهُ لَكُمَا صَرْعَةً، وَ لَا أَقَالَكُمَا عَثْرَةً، وَ لَا غَفَرَ لَكُمَا ذَنْباً وَ لَا جَرِيرَةً، وَ أَخَذَ بِحَقِّي مِنْكُمَا، إِلَى كَمْ هَذِهِ الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ؟ فَأَظْهَرَا اخْتِلَاطَ عَقْلٍ وَ دَهَشَةً حَتَّى حَمَلَا رَحْلَيْهِمَا.

وَ ضَرَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِيَدِهِ إِلَى الْخَرُوفِ وَ قَالَ لَهُ:

ارْجِعْ بِإِذْنِ اللَّهِ مَشْوِيًّا كَمَا كُنْتَ، فَرَجَعَ الْخَرُوفُ كَمَا كَانَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)- وَ قَدْ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لَحْمِهِ- بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ وَ لَا غَائِلَةٌ، وَ أَكَلَ، ثُمَّ قَالَ كُلُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ حَقّاً حَقّاً، وَ إِلَهِ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ مَا أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ لَقَدْ قَصَّ عَلَيْكَ الْخَرُوفُ الْقِصَّةَ، مَا نَقَصَ حَرْفاً وَ لَا زَادَ حَرْفاً.

وَ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ وَ غَزَا سِتَّ غَزَوَاتٍ وَ اسْتُشْهِدَ فِي ذَاتِ السَّلَاسِلِ، رَحِمَهُ‏

الهداية الكبرى، ص: 46

اللَّهُ..

4- وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَجَّالِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الكروزوني، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ، قَالَ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اصْنَعْ لَنَا طَعَاماً فَخُذْ شَاةً وَ صَاعاً مِنْ بُرٍّ، وَ ادْعُ عَشَرَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَصَنَعَ عَلِيٌّ مَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ، وَ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ وَحْدَهُ، فَقَرَّبَ عَلِيٌّ مِنْهُمُ الْمَائِدَةَ وَ قَدَّمَ الْقَصْعَةَ وَ وَضَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَدَهُ عَلَى دَوْرَةِ الْقَصْعَةِ، وَ قَالَ: هَلُمُّوا وَ كُلُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا، وَ فَضَلَ كَثِيرٌ، فَبَادَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالْكَلَامِ، وَ قَالَ: أَيُّكُمْ- يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- يَقْضِي دَيْنِي، وَ يُنْجِزُ وَعْدِي، وَ يَقُومُ مَقَامِي، وَ يَكُونُ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي وَ مَالِي، وَ أَكُونُ أَخَاهُ وَ يَكُونُ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ يَكُونُ وَزِيرِي وَ خَلِيلِي وَ صَفِيِّي وَ مَوْضِعَ سِرِّي، وَ يَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟

فَسَكَتَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَقْضِي دَيْنَكَ وَ أُنْجِزُ وَعْدَكَ، وَ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ فِي أُمَّتِكَ وَ أَهْلِكَ، وَ أَكُونُ أَخَاكَ وَ تَكُونُ أَخِي وَ أَكُونُ مَعَكَ وَ عَلَى دَرَجَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.

وَ كَانَ عَلِيُّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَصْغَرَهُمْ سِنّاً، وَ أَعْظَمَهُمْ بَطْشاً، وَ أَحْمَشَهُمْ سَاقاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ فَعَلْتُ يَا عَلِيُّ فَوَجَبَتْ يَوْمَئِذٍ الْمُؤَاخَاةُ وَ الْمُوَازَرَةُ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامَ).

5- وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ- مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ- وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، قَالَ: لَمَّا

الهداية الكبرى، ص: 47

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ‏ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ فَضِقْتُ ذَرْعاً، وَ عَرَفْتُ أَنَّنِي مَتَى أَبْدَيْتُ لَهُمْ ذَلِكَ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصُمْتُ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لِي يَا عَلِيُّ صَاعاً وَ اجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ، وَ امْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ، فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، ثُمَّ دَعْوَتُهُمْ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يَزِيدُونَ رَجُلًا وَ لَا يَنْقُصُونَ رَجُلًا، وَ جِئْتُ بِالطَّعَامِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَذْوَةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّهَا فِي نَوَاجِذِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الطَّعَامِ فِي الْقَصْعَةِ، ثُمَّ قَالَ:

خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ وَ مَا أَرَى إِلَّا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ، وَ ايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ، لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: اسْقِ الْقَوْمَ، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ.

فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَقَالَ مِنَ الْغَدِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَ لَمْ أُكَلِّمْهُمْ، فَأَعِدْ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ إِلَيَّ، قَالَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُ، وَ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَأَكَلُوا حَتَّى مَا بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ:

اسْقِهِمْ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً، ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ إِنْسَاناً فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَ إِنِّي جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُوَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي هَذَا كُلِّهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَلِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ‏

الهداية الكبرى، ص: 48

عَنْهَا جَمِيعاً فَقُلْتُ:- وَ اللَّهِ إِنِّي أَحْدَثُهُمْ سِنّاً، وَ أَطْوَلُهُمْ بَاعاً، وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْشاً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً- أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مُوَازِرُكَ، فَأَخَذَ رَقَبَتِي بِيَدِهِ، وَ قَالَ: هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا.

قَالَ فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَهُ طَاعَةً لَا بِطَانَةَ بِهَا.

6- وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سِنَانٍ الزَّيَّاتِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: سَارَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ مَا كَانَ يُخَلِّفُ النَّبِيَّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بِمَكَّةَ، فَكَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيراً، فَلَمَّا صَارَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ خَلَّفَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي رَحْلِهِ، وَ دَخَلَ يَمْتَارُ حَوَائِجَهُ، وَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عِنْدَ شَجَرَةٍ عِنْدَ دَيْرِ النَّصَارَى فَأَوَى إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَنَامَ فَلَمْ يَزَلْ نَائِماً، وَ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَ لَا يَقْرَبَهَا، مِمَّا كَانَ عِنْدَهَا مِنَ الْهَوَامِّ وَ الْحَيَّاتِ وَ الْعَقَارِبِ، وَ بَحِيرَا الرَّاهِبُ يَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ إِلَى الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ، وَ قَالَ: هَذَا غُلَامٌ غَرِيبٌ نَائِمٌ هَاهُنَا، وَ أَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَوَامِّ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ وَ دَعَاهُ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ إِذَا هُوَ مُعَافًى لَمْ يَمَسَّهُ سُوءٌ مِمَّا خَافَ عَلَيْهِ بَحِيرَا الرَّاهِبُ.

فَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ وَ كَيْفَ صِرْتَ إِلَى تَحْتِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟

فَقَالَ: خَلَّفَنِي هَاهُنَا عَمِّي وَ مَضَى يَقْضِي حَوَائِجَهُ مِنَ الشَّامِ، وَ إِنَّ لِي حَافِظاً مِنَ اللَّهِ.

فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا: مَنْ أَنْتَ؟ وَ مَا اسْمُكَ؟

الهداية الكبرى، ص: 49

فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

قَالَ: هَلْ لَكَ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟

قَالَ: نَعَمْ أَحْمَدُ.

قَالَ: هَلْ لَكَ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟

قَالَ: الْأَمِينُ.

قَالَ بَحِيرَا: اكْشِفْ لِي عَنْ كَتِفِكَ، فَكَشَفَ لَهُ فَنَظَرَ بَحِيرَا إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَ فَوْقَ الْخَاتَمِ، وَ أَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ وَ قَدْ بَاعَ حَوَائِجَهُ، فَقَالَ بَحِيرَا: مَا هَذَا مِنْكَ وَ لَا أَنْتَ مِنْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ عَجَباً، مَا نَامَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَشَرٌ وَ سَلِمَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْغُلَامُ نَائِماً تَحْتَهَا وَ جَمِيعُ مَا تَحْتَهَا مِنَ الْحَيَّاتِ وَ الْعَقَارِبِ حَوْلَهُ تَحْرُسُهُ فِي نَوْمِهِ.

فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: هَذَا ابْنُ أَخِي. قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ قَالَ: مَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: مَاتَتْ. قَالَ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.

قَالَ: هَلْ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْمَدُ. قَالَ: هَلْ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: الْأَمِينُ. قَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يُوحِيَ إِلَيْهِ اللَّهُ، وَ يَسُوقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ وَ يَمْلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، فَاتَّقِ عَلَيْهِ خَاصَّةً مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ لَهُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ.

قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَا هَذَا رَمَيْتَ ابْنِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَ تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يَمْلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَ ظُلْماً، شَرْقاً وَ غَرْباً، وَ يَسُوقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ؟ قَالَ بَحِيرَا: لَقَدْ وَ اللَّهِ أَخْبَرْتُكَ عَنْ أَمْرِهِ، وَ هَذَا الَّذِي نَجِدُهُ عِنْدَنَا مَكْتُوباً فِي سِفْرِ كَذَا وَ كَذَا مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ السَّيِّدُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ لَمْ أَقُلْ فِيهِ إِلَّا

الهداية الكبرى، ص: 50

الْحَقَّ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْغُلَامِ لَا تَقْتُلْهُ قُرَيْشٌ وَ الْيَهُودُ، فَاكْتُمْ عَلَيَّ مَا قُلْتُ لَكَ، وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّهُ الْغُلَامُ الْهَاشِمِيُّ الْقُرَشِيُّ الْأَبْطَحِيُّ، وَ أَنَّهُ عِنْدَنَا مَكْتُوبٌ اسْمُهُ وَ اسْمُ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَ إِنْ أَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ تَلْقَى رَجُلًا مِنْ إِخْوَانِي مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِي وَ قَدْ قَرَأَ مِثْلَ مَا قَرَأْتُ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ بِأَرْضِ تِهَامَةَ، وَ سَيَقُولُ لَكَ بِهَذَا الْغُلَامِ مَا قُلْتُهُ لَكَ.

وَ كَانَ صَاحِبُ بَحِيرَا وَرْقَا بْنَ نَوْفَلٍ، وَ كَانَا جَمِيعاً مِمَّنِ اسْتُحْفِظَ الْإِنْجِيلَ وَ أَخْبَارَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ كَانَا أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِمَا، فَرَجَعَ فَرِحاً بِمَا سَمِعَ مِنْ بَحِيرَا الرَّاهِبِ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ أَرْضَ تِهَامَةَ اسْتَقْبَلَهُ وَرْقَا بْنُ نَوْفَلٍ الرَّاهِبُ وَ هُوَ مِنَ الْمُسْتَحْفَظِينَ الَّذِينَ اسْتُودِعُوا عِلْمَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ، فَقَالَ وَرْقَا بْنُ نَوْفَلٍ مِثْلَ مَا قَالَهُ بَحِيرَا، وَ قَالَ: اكْتُمْ عَلَيَّ يَا شَيْخُ مَا قُلْتُهُ فِي هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: وَ انْتَشَرَ خَبَرُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِأَرْضِ تِهَامَةَ وَ كَلَامُ وَرْقَا، فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى وَرْقَا بْنِ نَوْفَلٍ. فَقَالُوا: مَا هَذَا الَّذِي انْتَشَرَ عَنْكَ فِيمَا قُلْتَ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ؟ وَ اللَّهِ لَئِنْ نَطَقْتَ فِيمَا نَطَقْتَ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ لَنَقْتُلَنَّكَ بِأَعْظَمِ قِتْلَةٍ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَخَافَ وَرْقَا عَلَى نَفْسِهِ فَخَرَجَ مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ، وَ قَدْ أَظْهَرَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا أَظْهَرَ وَ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ قَصَدَ إِلَى الشَّامِ هَارِباً مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَا لَبِثَ النَّبِيُّ بَعْدَ مَا قَالَهُ وَرْقَا وَ بَحِيرَا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ وَ طَلَبُوا وَرْقَا بْنَ نَوْفَلٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَ حَفِظَهُ أَبُو طَالِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَ اسْتَوْهَبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَبِيهِ فَوَهَبَهُ لَهُ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَ إِلَى دِينِ اللَّهِ فَأَجَابَهُ يَوْمَئِذٍ وَ هُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ، وَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: أَطِعْ ابْنَ عَمِّكَ وَ اسْمَعْ قَوْلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَأْلُوكَ خَيْراً فَكَانَا يُصَلِّيَانِ جَمِيعاً وَ يَكْتُمَانِ مَا هُمَا فِيهِ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ أَمْرَ دِينِهِ.

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

الهداية الكبرى، ص: 51

7- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ أَبِي غِيَاثِ بْنِ يُونُسَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطُّوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ الطَّاطَرِيِّ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَ كَانَ يَوْمَئِذٍ أَقَلَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا، فَأَكْرَى نَفْسَهُ لِخَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) عَلَى بَكْرٍ وَ حِقَّةٍ، وَ خَرَجَ غُلَامُ خَدِيجَةَ إِلَى الشَّامِ وَ كَانَ لَهَا غُلَامٌ، صَدُوقٌ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ فَأَمَرَتْهُ خَدِيجَةُ- لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ- أَنْ لَا يُخَالِفَ النَّبِيَّ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ إِذْ رَأْيُهُ سَدِيدٌ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ، وَ يُخَوِّفُهُمْ مِنْ أَمْرِهِ فَلِذَلِكَ وَصَّتْ خَدِيجَةُ مَيْسَرَةَ أَنْ لَا يُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَ خَرَجَا إِلَى الشَّامِ فَبَاعَا مَا كَانَ مَعَهُمَا مِنَ التِّجَارَةِ وَ رَبِحَا رِبْحاً مَا رَبِحَتْ خَدِيجَةُ بِمِثْلِهِ، وَ رُزِقَتْ بِتِلْكَ السَّفْرَةِ مَا لَمْ تُرْزَقْ مِثْلَهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَأَقْبَلَا بِتِلْكَ الْغَنِيمَةِ، وَ مَا رَزَقَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا قَرُبَا مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ قَالَ مَيْسَرَةُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَوْ تَقَدَّمْتَ إِلَى خَدِيجَةَ فَبَشَّرْتَهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ رَجَوْتُ لَكَ مِنْهَا جَائِزَةً عَظِيمَةً، فَفَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ.

وَ كَانَ لِخَدِيجَةَ مَنْظَرَةٌ فِي مُسْتَشْرَفِ الطَّرِيقِ تَقْعُدُ فِيهَا وَ نِسَاءَ قَوْمِهَا، وَ كَانَتْ قَاعِدَةً فِي الْمَنْظَرَةِ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ مَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسَاءِ فَقَالَتْ لَهُنَّ يَا هَؤُلَاءِ مَا تَرَيْنَ أَنَّ لِهَذَا الرَّجُلِ قَدْراً عَظِيماً؟ أَ مَا تَرَيْنَهُ مُنْفَرِداً وَ عَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ تَسِيرُ بِمَسِيرِهِ، وَ تَقِفُ لِوُقُوفِهِ وَ تُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ، وَ الطَّيْرُ تُرَفْرِفُ عَلَيْهِ بِأَجْنِحَتِهَا، وَ لَهَا زَجَلٌ وَ تَسْبِيحٌ وَ تَمْجِيدٌ وَ تَقْدِيسٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هُوَ؟ وَ إِنَّهُ مُقْبِلٌ نَحْوَهَا، فَقَالَتْ: أَظُنُّ هَذَا الرَّجُلَ يَقْصِدُ حِيناً فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا تَبَيَّنَتْهُ، فَقَالَتْ لَهُنَّ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،! فَقَرُبَ مِنْهَا فَسَلَّمَ، فَرَدَّتْ (عَلَيْهِ السَّلَامَ) وَ قَرَّبَتْهُ مِنْهَا، وَ رَفَعَتْ مَجْلِسَهُ، فَبَشَّرَهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تِجَارَتِهَا، فَفَرِحَتْ بِذَلِكَ فَرَحاً شَدِيداً، وَ ازْدَادَتْ فِيهِ رَغْبَةً وَ ضَاعَفَتْ لَهُ الرِّزْقَ أَضْعَافاً، وَ قَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَمْراً وَ هِيَ حَاجَةٌ لِي بَعْضُهَا وَ هِيَ لَكَ حَظٌّ وَ رَغْبَةٌ، قَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالَتْ:

الهداية الكبرى، ص: 52

أُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَنِي، فَقَدْ تَبَارَكْتُ بِكَ، وَ رَأَيْتُ مِنْكَ مَا أُحِبُّ، وَ أَنَا مَنْ عَرَفْتَ شَرَفِي وَ حَسَبِي وَ نَسَبِي وَ مَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي وَ سِيَادَتِي فِي النَّاسِ، وَ كَثِيرٌ لَا يَنَالُونَ تَزْوِيجِي، وَ قَدْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَيْكَ.

فَقَالَ لَهَا: رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَ وَ تَفْعَلِينَ ذَلِكِ؟

فَقَالَتْ: مَا قُلْتُ إِلَّا مَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ فَقَالَ لَهَا: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ عَمِّي، وَ أُخْبِرَكِ مَا يَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَ انْطَلَقَ إِلَى عَمِّهِ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَتْ خَدِيجَةُ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا مِنْ قَوْمٍ كِرَامٍ فَتَزَوَّجْهَا، وَ لَا تُخَالِفْهَا فَإِنَّهَا فَائِقَةٌ فِي الْحَسَبِ وَ النَّسَبِ وَ الشَّرَفِ وَ الْمَالِ، وَ هِيَ رَغْبَةٌ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا وَ أَخْبَرَهَا بِمَا قَالَهُ عَمُّهُ، فَقَالَتْ: إِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَ كَذَا، فَأَقْبِلْ: فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْمَعْلُومُ أَقْبَلَ ابْنُ عَمِّهَا وَ أَهْلُهَا، وَ تَهَيَّأَتْ خَدِيجَةُ لِمَا أَرَادَتْ وَ نَحَرَتِ الْبُدْنَ، وَ اتَّخَذَتْ طَعَاماً كَثِيراً.

وَ أَقْبَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَمُّهُ وَ بَنُو عَمِّهِ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَاصَّةً، وَ أَرْسَلَتْ خَدِيجَةُ إِلَى عَمِّهَا وَ أَهْلِ بَيْتِهَا فَدَعَتْهُمْ وَ لَمْ يَعْلَمِ الْفَرِيقَانِ إِلَى مَا دُعُوا فَأَطْعَمَتِ الْقَوْمَ الطَّعَامَ وَ نَحَرَتِ الْبُدْنَ عَلَى الْجِبَالِ وَ الشِّعَابِ وَ الْأَوْدِيَةِ بِمَكَّةَ وَ جَعَلَتْهَا قِرًى لِلنَّاسِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ الْهَوَامِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَ أَمَرَتْ بِسَقْيِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا شَرِبُوا وَ أَخَذُوا فِي حَدَثِهِمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ لِعَمِّهَا: إِنَّكَ فِي الشَّرَفِ الْعَظِيمِ مِنْ قَوْمِكَ، وَ أَنْتَ الْكُفْؤُ الْكَرِيمُ، وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَدُ أَخِي وَ هُوَ لَا يُجْهَلُ حَسَبُهُ وَ لَا يُنْكَرُ نَسَبُهُ، وَ قَدْ أَتَاكَ خَاطِباً خَدِيجَةَ ابْنَةَ خُوَيْلِدٍ، وَ هُوَ مِمَّنْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَمْرَهُ وَ حَالَهُ.

فَقَالَ عَمُّهَا: يَا أَبَا طَالِبٍ، خَدِيجَةُ مَالِكَةٌ نَفْسَهَا، وَ أَمْرُهَا إِلَيْهَا، فَأُرْسِلُ إِلَيْهَا وَ أَسْتَأْذِنُهَا.

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَمُّهَا يَسْتَأْمِرُهَا، فَقَالَتْ: يَا عَمِّ زَوِّجْهُ فَإِنَّهُ بِالنَّسَبِ الثَّاقِبِ وَ الْفَرْعِ الْبَاسِقِ، وَ لَيْسَ هَذَا مِمَّنْ يُرَدُّ فَزَوَّجَهُ عَمُّهَا فِي مَجْلِسِهِ،

الهداية الكبرى، ص: 53

وَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فَخَرَجُوا قَرِيرَةً أَعْيُنُهُمْ بِمَجْلِسِهِمْ، وَ مَا كَانَ مِنْ خَدِيجَةَ فِي تَزْوِيجِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، وَ ذَلِكَ أَنَّهَا خُطِبَتْ مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَلَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا فَلَمَّا خَرَجُوا احْتَبَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، عِنْدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ مَا نِحْلَتُكَ؟

قَالَ: الْبَكْرُ وَ الْحِقَّةُ، وَ هُمَا نِحْلَةٌ، مِنِّي إِلَيْكِ، وَ مَا أَضْعَفْتِ لِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الرِّزْقِ فَهُوَ فِي بَيْتِكِ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْتُهُ وَ قَبَضْتُهُ، فَادْخُلْ بِأَهْلِكَ مَتَى شِئْتَ، فَبَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَهُ مِنْ أَقَرِّ النَّاسِ عَيْناً وَ أَحَبِّهِمْ إِلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ.

وَ أَصْبَحُوا مِنْ غَدِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدِمَ بَعْضُ حُسَّادِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى عَمِّهَا وَ قَالُوا: زَوَّجْتَ بِنْتَ أَخِيكَ بِغُلَامٍ فَقِيرٍ قَلِيلِ الْمَالِ؟

فَأَقْبَلَ عَمُّهَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ نَادِماً، وَ قَدْ بَلَغَ أَبَا طَالِبٍ نَدَامَتُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّ الْمَالَ يَأْتِي وَ يَذْهَبُ، وَ قَدْ رَأَيْنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَرَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَ رِزْقاً حَسَناً وَاسِعاً، وَ قَدْ بَلَغَ خَدِيجَةَ ذَلِكَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا وَ هُوَ نَادِمٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ لَا تَتَّهِمْنِي فِي نَفْسِكَ، مَا زَوَّجْتَهُ أَنْتَ، بَلِ اللَّهُ زَوَّجَهُ، فَهُوَ مِمَّنْ عَرَفْتَ شَرَفَهُ وَ كَرَمَهُ وَ أَمَانَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: نَعَمْ، صَدَقْتَ هُوَ كَمَا تَقُولِينَ وَ أَفْضَلُ، وَ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ، قَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ إِنِّي مَا قَدِمْتُ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَ قَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي مَا رَأَيْتُ، وَ رَأَى ذَلِكَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ مَعِي، قَالَ: مَا الَّذِي رَأَيْتَ وَ رَأَيْنَ؟ قَالَتْ: قَدْ أَقْبَلَ مِنْ تِجَارَتِيَ الَّتِي أَنْفَذْتُهُ بِهَا مُبَشِّراً بِالْأَرْبَاحِ الَّتِي رَزَقَنِيَ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ وَ أَنَا جَالِسَةٌ، فِي الْمَنْظَرَةِ فَرَأَيْتُهُ مُقْبِلًا فَرْداً وَ عَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ تَسِيرُ بِمَسِيرِهِ، وَ تَقِفُ بِمَوْقِفِهِ، وَ تُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ، وَ رَأَيْنَا رِجَالًا بِأَجْنِحَةٍ لَا بِأَيْدٍ مِنْ حَوْلِهِ وَ مِنْ فَوْقِهِ يَسِيرُونَ بِمَسِيرِهِ وَ يَكْنُفُونَهُ وَ يُرَفْرِفُونَ عَلَيْهِ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّهْلِيلِ وَ التَّمْجِيدِ وَ التَّقْدِيسِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَهَذَا مَا رَأَيْتُ وَ نِسَاءَ قَوْمِي، وَ قُلْتُ لَهُنَّ: تَرَيْنَ هَذَا الرَّجُلَ الْكَرِيمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْعَظِيمَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ، الَّذِي أَظَلَّهُ بِالْغَمَامِ وَ حَفَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ؟ إِلَى أَنْ قَرُبَ مِنِّي فَتَبَيَّنْتُهُ فَرَأَيْتُهُ‏

الهداية الكبرى، ص: 54

مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَ رَأَى نِسَاءُ قَوْمِي فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَا عَمِّ رَغِبْتُ فِيهِ، وَ عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ شَأْناً عَظِيماً، وَ يَؤُولُ إِلَى نُبُوَّةٍ وَ رِسَالَةٍ فَسُرَّ عَمُّهَا وَ خَرَجَ وَ قَالَ: يَا خَدِيجَةُ اكْتُمِي هَذَا الْأَمْرَ، وَ لَا تُظْهِرِيهِ، وَ لَا تَذْكُرِي شَيْئاً مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلَائِكَةِ فَتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ فَتَقْتُلَهُ، وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، وَ قَالَتْ:

اكْتُمْ أَنْتَ ذَلِكَ يَا عَمِّ فَإِنَّهُ قَدْ بَاتَ عِنْدِي وَ دَخَلَ بِأَهْلِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَكَرَهُ الْعَمُّ وَ عَرَفَ فَضْلَهُ.

فَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلْيِه السَّلامُ).

8 وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ حَمْدَانَ بْنِ الْخَصِيبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ، قَالَ: كُنَّا بِالْعَسْكَرِ وَ نَحْنُ مُرَابِطُونَ لِمَوْلَانَا أَبِي الْحَسَنِ وَ سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ دِينَهُ، وَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى اللَّهِ، كَانَتْ بَقَرَةٌ فِي نَخْلِ بَنِي سَالِمٍ، فَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَقَرَةُ وَ آذَنَتْ بِاسْمِهِ، وَ أَفْصَحَتْ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ- فِي جَمِيعِ آلِ ذَرِيحٍ- فَقَالَتْ: يَا آلَ ذَرِيحٍ، صَائِحٌ يَصِيحُ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ حَقّاً.

فَأَقْبَلَ آلُ ذَرِيحٍ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَآمَنُوا بِهِ وَ كَانُوا أَوَّلَ الْعَرَبِ إِسْلَاماً وَ إِيَماناً وَ طَاعَةً لِلَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ لِرَسُولِهِ.

9- وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: تَكَلَّمَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَقَرَةٌ، وَ هِيَ كَانَتْ فِي نَخْلِ آلِ بَنِي سَالِمٍ فَصَاحَتْ لآِلِ ذَرِيحٍ:

الذِّئْبُ، وَ هُوَ الَّذِي أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَشَكَا إِلَيْهِ الْجُوعَ فَدَعَا النَّبِيُّ بِالرُّعَاةِ، فَقَالَ: افْتَرِضُوا لَهُ شَيْئاً، فَخَشُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لِلذِّئْبِ: اخْتَلِسْ مَا تَجِدُ، فَصَارَ الذِّئْبُ يَخْتَلِسُ مَا يَجِدُ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ كَانُوا فَرَضُوا لِلذِّئْبِ مَا زَادَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَ أَمَّا الْجَمَلُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، كَانَ جَالِساً

الهداية الكبرى، ص: 55

فِي أَصْحَابِهِ، إِذْ نَظَرَ إِلَى بَعِيرٍ نَادٍّ، حَتَّى أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَ هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَضَرَبَ فِي أَخْفَافِهِ وَ رَغَا، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْجُدُ لَكَ هَذَا الْبَعِيرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، قَالَ لَهُمْ: اسْجُدُوا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ الْجَمَلَ يَشْكُو إِلَي أَرْبَابِهِ وَ لَوْ أَمَرْتُ أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا.

فَوَقَعَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، فَمَا لَبِثَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَى صَاحِبُ الْبَعِيرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ هَلُمَّ إِلَيَّ، فَمَا بَالُ هَذَا الْبَعِيرِ يَشْكُو مِنْ أَرْبَابِهِ؟ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّكُمْ أَنَخْتُمُوهُ صَغِيراً وَ أَعْنَفْتُمُوهُ كَبِيراً، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ نَحْرَهُ.

قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً وَ اصْطَفَاكَ بِالرِّسَالَةِ نَجِيّاً، مَا كَذَبَ هَذَا الْبَعِيرُ، وَ لَقَدْ قَالَ بِالْحَقِّ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَعْرَابِيُّ اخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تَهَبَهُ لِي، وَ إِمَّا أَنْ تَبِيعَنِي إِيَّاهُ، وَ إِمَّا أَنْ تَجْعَلَهُ سَائِباً لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهَبُهُ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) اللَّهُمَّ أُشْهِدُكُمْ عَلَيَّ أَنِّي جَعَلْتُهُ سَائِباً لِوَجْهِ اللَّهِ، فَكَانَ الْبَعِيرُ يَأْتِي الْمَعَالِفَ فَيَعْتَلِفُ مِنْهَا، وَ لَا يَمْنَعُوهُ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، حَتَّى هَلَكَ الْجَمَلُ فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ التَّحِيَّةُ).

10 وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِساً وَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَأْتِينِي غَداً تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُسْلِمُ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَ ثَلَاثَةٌ لَا يُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ كَلَامِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَ جَلَسَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي مَجْلِسِهِ، أَقْبَلَتِ التِّسْعَةُ رَهْطٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، حَتَّى دَنَوْا مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ اعْرِضْ عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَعَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ‏

الهداية الكبرى، ص: 56

الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَ ثَلَاثَةٌ لَمْ يُسْلِمُوا فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مَرَضٌ وَ انْصَرَفُوا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَمُوتُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَ هُوَ هَذَا الْأَوَّلُ، وَ أَمَّا هَذَا الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ فَيَسْتَلِبُهُ قَوْمٌ فَيَقْتُلُونَهُ، وَ أَمَّا الثَّالِثُ فَيَمُوتُ بِالدَّاءِ وَ الدُّبَيْلَةِ.

فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَجْلِسِ أَعْظَمُ مَا وَقَعَ فِي الْكَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ أَقْبَلَ السِّتَّةُ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ لَهُمْ: مَا فَعَلَ الثَّلَاثَةُ أَصْحَابُكُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَكُمْ وَ لَمْ يُسْلِمُوا؟ فَأَخْبَرُوهُ بِمَوْتِهِمْ- وَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ- وَ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا قُلْتُ لَكُمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ قَدْ مَاتُوا جَمِيعاً فِي الْمَوْتَاتِ الَّتِي أَخْبَرْتَنَا بِهَا، فَكَانَ قَوْلُكَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَنْتَ الْأَمِينُ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَ الْأَمْوَاتِ.

. فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

11- وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَصَّارِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ قُرَيْشاً إِلَى اللَّهِ وَ خَلْعِ الْأَنْدَادِ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ غَمَّهُمْ غَمّاً شَدِيداً، وَ تَدَاخَلَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَ قَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَيَدَّعِي أَمْراً عَظِيماً، وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، فَأَتَاهُ مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ- عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ- وَ أَبُو سُفْيَانَ، وَ سُفْيَانُ بْنُ حَوْشَبَةَ، وَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَ هِشَامٌ، وَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِمْ، وَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ قَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ، وَ لَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ جِئْتَنَا بِهِ وَ أَرَيْتَنَا إِيَّاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ، وَ إنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّكَ تَدَّعِي الْبَاطِلَ وَ تَقُولُ السِّحْرَ وَ الْكِهَانَةَ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا حَاجَتُكُمْ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَدْعُوَ لَنَا هَذِهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 57

الشَّجَرَةَ تَنْقَلِعُ بِعُرُوقِهَا وَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَفْعَلُ هَذَا تُؤْمِنُونَ؟

قَالُوا: نَعَمْ نُؤْمِنُ، قَالَ لَهُمْ: سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ مَا تُجِيبُونَ وَ لَا تُؤْمِنُونَ؟ وَ لَا تَؤُولُونَ إِلَى خَيْرٍ.

فَقَالَ لِلشَّجَرَةِ يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ، إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقّاً فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ.

قَالَ: مَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى اقْتَلَعَتِ الشَّجَرَةُ وَ وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا اغْتَمُّوا غَمّاً شَدِيداً، وَ قَالُوا لَهُ: مُرْهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهَا وَ لْيَأْتِكَ قِسْماً سَوِيّاً فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ نِصْفُهَا وَ بَقِيَ نِصْفُهَا قَالُوا: مُرْ هَذَا النِّصْفَ يَرْجِعْ إِلَى الَّذِي كَانَ فِيهِ فَأَمَرَهُ فَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ كَمَا كَانَ.

فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا السِّحْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِمَا أُرِيكُمْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَسْتُ سَاحِراً وَ لَا كَذَّاباً وَ لَا مَجْنُوناً.

قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا رَأَيْنَا أَعْظَمَ مِنْ هَذَا السِّحْرِ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَشَدَّ تَكْذِيباً مِنْ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا مُحَمَّدُ مَا وَجَدَ رَبُّكَ مَنْ يَبْعَثُهُ غَيْرَكَ؟ فَغَضِبَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَ قَالَ لَهُمْ: وَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ يَتَقَدَّمُنِي فِي شَرَفٍ، وَ أَنِّي إِلَى خَيْرِ مَكْرُمَةٍ، وَ أَنَّ آبَائِي قَدْ عَلِمْتُمْ مَنْ هُمْ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَ انْصَرَفُوا وَ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ أَحَرُّ مِنَ الْجَمْرِ مِمَّا سَمِعُوا مِنَ الْكَلَامِ وَ أَرَاهُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا.

، فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

12 وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ قَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي طَرِيقٍ مَرَّ عَلَى عِيرٍ فِي مَكَانٍ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِقُرَيْشٍ- حِينَ أَصْبَحَ- يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى) قَدْ أَسْرَى بِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ

الهداية الكبرى، ص: 58

مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ- حَتَّى رَكِبْتُ عَلَى الْبُرَاقِ، وَ إِنَّ الْعِنَانَ بِيَدِ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ هِيَ دَابَّةٌ أَكْبَرُ مِنَ الْحِمَارِ، وَ أَصْغَرُ مِنَ الْبَغْلِ، خُطْوَتُهَا مَدَّ الْبَصَرِ، رَكِبْتُ عَلَيْهِ وَ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ، وَ صَلَّيْتُ بِالْمُسْلِمِينَ وَ بِالنَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ وَ بِالْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ، وَ رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَ مَا فِيهَا، وَ النَّارَ وَ مَا فِيهَا، وَ اطَّلَعْتُ عَلَى الْمُلْكِ كُلِّهِ.

فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ كَذِبٌ بَعْدَ كَذِبٍ، يَأْتِينَا مِنْكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَمَّا تَقُولُ وَ تَدَّعِيهِ، لَنَقْتُلَنَّكَ شَرَّ قِتْلَةِ، أَ تُرِيدُ أَنْ تَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا وَ تَصُدَّنَا عَمَّا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا الشُّمُّ الْغَطَارِيفُ؟

فَقَالَ يَا قَوْمِ إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ بِالْخَيْرِ، إِنْ قَبِلْتُمُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ فَارْجِعُوا وَ تَرَبَّصُوا، إِنِّي مُتَرَبِّصٌ بِكُمْ أَعْظَمَ مِمَّا تَتَرَبَّصُونَ بِي وَ أَرْجُو أَنْ أَرَى فِيكُمْ مَا أُؤَمِّلُهُ مِنَ اللَّهِ‏ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَإِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الشَّامَ وَ مَرَرْنَا فِي طَرِيقِنَا، فَخَبِّرْنَا عَنْ طَرِيقِ الشَّامِ وَ مَا رَأَيْنَا فِيهِ، فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا جَمِيعَ مَا ثَمَّ وَ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تَدْخُلِ الشَّامَ، فَإِنْ أَنْتَ أَعْطَيْتَنَا عَلَامَةً عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ حَقٍّ وَ نَبِيُّ صِدْقٍ.

فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكُمْ بِمَا رَأَتْ عَيْنَايَ السَّاعَةَ، رَأَيْتُ عِيراً لَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَ هِيَ ثَلَاثَةٌ وَ عِشْرُونَ جَمَلًا يَقْدُمُهَا أَرْمَكُ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ، وَ فِيهِمَا غُلَامَانِ، أَحَدُهُمَا صَبِيحٌ وَ الْآخَرُ رِيَاحٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ رَأَيْتُ عِيرَكَ يَا أَبَا هِشَامِ بْنَ الْمُغِيرَةِ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ هِيَ ثَلَاثُونَ بَعِيراً يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَحْمَرُ فِيهَا مَمَالِيكُ أَحَدُهُمْ مَيْسَرَةُ، وَ الْآخَرُ سَالِمٌ، وَ الثَّالِثُ يَزِيدُ، وَ قَدْ وَقَعَ بِهِمْ بَعِيرٌ بِمَحْمِلِهِ فَمَرَرْتُ بِهِمْ وَ هُمْ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ حَمْلَهُ، وَ الْعِيْرُ تَأْتِيكُمْ فِي يَوْمِ كَذَا وَ كَذَا وَ هِيَ سَاعَةُ كَذَا وَ كَذَا، وَ وَصَفَ لَهُمْ جَمِيعَ مَا رَأَوْهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَمَّا مَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ وَصَفْتَ جَمِيعَ مَا

الهداية الكبرى، ص: 59

رَأَيْنَا، وَ أَمَّا الْعِيرُ فَقَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً، فَإِنْ وَافَقَ قَوْلُكَ مَا قُلْتَ لَنَا، وَ إِلَّا عَلِمْنَا أَنَّكَ كَذَّابٌ، وَ أَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْبَاطِلُ.

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعِيرَ تَأْتِيهِمْ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَ هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَتَّى رَكِبَا نَاقَتَيْهِمَا وَ تَوَجَّهَا يَسْتَقْبِلَانِ الْعِيرَ فَرَأَوْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُمَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَسَأَلَا غِلْمَانَهُمَا عَنْ جَمِيعِ مَا كَانُوا فِيهِ، فَأَخْبَرُوهُمَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَلَمَّا أَقْبَلَا قَالا لَهُمَا: مَا صَنَعْتُمَا؟ قَالُوا جَمِيعاً: لَقَدْ رَأَيْنَا جَمِيعَ مَا قُلْتَ، وَ مَا يَعْلَمُ أَحَدٌ السِّحْرَ إِلَّا إِيَّاكَ وَ إِنَّكَ لَشَيْطَانٌ عَالِمٌ، وَ لَوْ رَأَيْنَا مَلَائِكَةً مِنَ السَّمَاءِ تَنْزِلُ عَلَيْكَ لَمَا صَدَّقْنَاكَ، وَ لَا قَبِلْنَا قَوْلَكَ، وَ لَا قُلْنَا:

إِنَّكَ رَسُولٌ وَ لَا نَبِيٌّ وَ لَا آمَنَّا بِمَا تَقُولُ أَبَداً، افْعَلْ مَا شِئْتَ فَهُوَ سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ‏، أَ وَعَدْتَنَا أَمْ لَمْ تُوعِدْنَا..

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

13 وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَاطِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ مَطَراً شَدِيداً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَرَجَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يَمْشِيَانِ فَتَبِعَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَدْ بَرَزَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: مَا سَرَّنِي تَخَلُّفُكَ، وَ لَقَدْ سُرِرْتُ بِمَجِيئِكَ يَا عَلِيُّ، فَإِذَا هُمْ بِرِمَايَةٍ قَدِ انْقَضَّتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَيْهِمَا أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَمَصَّهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَمَصَّهَا حَتَّى أَتَى عَلَى مَا أَرَادَ، قَالَ النَّبِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ لَا هَذَا طَعَامٌ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ لَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ لَأَطْعَمْتُكَ، ثُمَّ كَسَرَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نِصْفَيْنِ فَأَخَذَ النَّبِيُّ نِصْفَهَا وَ أَعْطَى عَلِيّاً نِصْفَهَا فَأَكَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 60

وَ آلِهِ) مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَ أَكَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَ انْصَرَفَ أَبُو بَكْرٍ خَائِباً.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

14 وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ بَيَّاعِ السَّابِرِيِّ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) جَالِساً إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تُنَحِّلُ نَفْسَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ وَ الْمَلَائِكَةُ تُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَيْكَ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَخْبِرْنَا عَنْ جَمِيعِ مَا نَسْأَلُكَ بِهِ، فَقَالَ اسْأَلُونِي عَمَّا بَدَا لَكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ وَ خَبَرٌ أُنَبِّئْكُمْ بِهِ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ اسْتَأْجَلْتُكُمْ أَجَلًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) فَأُخْبِرَكُمْ بِهِ.

وَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- أَخْبِرْنِي عَمَّا صَنَعْتُ فِي مَنْزِلِي، فَإِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ يُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ وَ مَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ كُنْتَ نَبِيّاً كَمَا تَزْعُمُ فَأَخْبِرْنَا عَمَّا نَعْمَلُ فِي بُيُوتِنَا وَ مَا نَدَّخِرُ فِيهَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا أَبَا جَهْلٍ لَوْ كُنْتَ رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ عَلَيَّ وَ كَلَّمَتْنِي الْمَوْتَى مَا كُنْتَ تُؤْمِنُ أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ أَبَداً، وَ سَأُخْبِرُكَ بِجَمِيعِ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا جَهْلٍ فَإِنَّكَ دَفَنْتَ ذَهَباً فِي مَنْزِلِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، وَ نَكَحْتَ خَادِمَتَكَ السَّوْدَاءَ سِرّاً مِنْ أَهْلِكَ لَمَّا فَرَغْتَ مِنْ دَفْنِ الْمَالِ. وَ أَمَّا أَنْتَ يَا هِشَامَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّكَ جَهَّزْتَ جِهَازاً وَ أَمَرْتَ الْمُغِيرَةَ لِيَخْرُجَ فِي ذَلِكَ الْجِهَازِ، فَإِنْ أَنْتَ أَتْمَمْتَ مَا نَوَيْتَ فِي نَفْسِكَ عَطِبَ ابْنُكَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَ لَمْ تَلْقَ مَا تُحِبُّ فَأَخْرَجَ هِشَامٌ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ مُعَانِداً كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَمَّا تَوَجَّهَ لَمْ يَسِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ وَ قُتِلَ ابْنُهُ وَ رَأَى جَمِيعَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 61

وَ سَلَّمَ) وَ كَتَمَ هِشَامٌ مَا أَصَابَهُ فِي ابْنِهِ. فَجَاءَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا مَنَعَكَ يَا هِشَامُ أَنْ تُخْبِرَنَا مَا أُصِبْتَ بِهِ فِي مَالِكَ وَ وَلَدِكَ لَئِنْ لَمْ تُخْبِرْهُمْ لَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا أَبَا الْمُغِيرَةِ مَا الَّذِي أُصِبْتَ بِهِ؟ قَالَ: مَا أُصِبْتُ بِشَيْ‏ءٍ وَ لَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ إِلَّا بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنَّ اللُّصُوصَ قَطَعُوا عَلَى ابْنِكَ الطَّرِيقَ وَ أَخَذُوا جَمِيعَ مَالِكَ وَ أُصِبْتَ بِابْنِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ هِشَامٌ، وَ قَالَ: لَئِنْ لَمْ تَكْفُفْ قَتَلْنَاكَ عَنْوَةً فَإِنَّكَ لَمْ تَزَلْ تُؤْذِينَا وَ تُخْبِرُنَا بِمَا نَكْرَهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تَسْأَلُونَنِي حَتَّى إِذَا أَنْبَأْتُكُمْ تَجْزَعُونَ لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي بِقَوْلِ الْحَقِّ عَنِ اللَّهِ.

فَسَكَتَ هِشَامٌ فَقَامَ مُغْتَمّاً بِشَمَاتَتِهِ، وَ قَالَ لِأَبِي جَهْلٍ: مَا تَقُولُ فِي الذَّهَبِ الَّذِي دَفَنْتَهُ فِي بَيْتِكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا وَ نِكَاحِكَ السَّوْدَاءَ؟ قَالَ مَا دَفَنْتُ ذَهَباً وَ لَا نَكَحْتُ سَوْدَاءَ، وَ لَا كَانَ مِمَّا ذَكَرْتَ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَئِنْ لَمْ تُقِرَّ عَلَيْهِ، دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ مَالَكَ الَّذِي دَفَنْتَهُ، وَ لَأُرْسِلَنَّ إِلَى السَّوْدَاءِ حَتَّى أَسْأَلَهَا فَتُخْبِرَ بِالْحَقِّ.

فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَعَكَ رِجَالًا مِنَ الْجِنِّ يُخْبِرُونَكَ بِجَمِيعِ مَا تُرِيدُ وَ أَمَّا أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ نَقُولَ فِيكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ فَلَسْتَ هُنَاكَ فَقَالَ: وَ لِمَ يَا لُكَعُ؟ أَ لَسْتُ أَكْرَمَكُمْ حَسَباً، وَ أَطْوَلَكُمْ قَصَباً؛ وَ أَفْضَلَكُمْ نَسَباً، وَ خَيْرَكُمْ أُمّاً وَ أَباً، وَ قَبِيلَتِي خَيْرَ قَبِيلَةٍ؟ أَ تَجْزَعُ أَنْ تَقُولَ إِنِّي نَبِيٌّ وَ اللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ وَ أَقْتُلَنَّ شَيْبَةَ، وَ لَأَقْتُلَنَّ الْوَلِيدَ، وَ لَأَقْتُلَنَّ جَبَابِرَتَكُمْ وَ أَشْرَارَكُمْ وَ لَأُوطِيَنَّ دِيَارَكُمْ بِالْخَيْلِ، وَ آخُذُ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَ لَا تَمْنَعُونِّي شَيْئاً، شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَوَ اللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 62

(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قُرَيْشاً بِيَدِهِ شَرَّ قِتْلَةِ، وَ جَمِيعُ مَنْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ فَصَحَّ جَمِيعُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا غَادَرَ مِنْهُ حَرْفاً.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

15 وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ خَالِدٍ الْجَلَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ وَ صَفْوَانُ الْجَمَّالُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ:: لَمَّا رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالسَّيْفِ، وَ كَانَ الَّذِي رَمَاهُ بِهِ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ فَغَمَزَهُ فِي الْأَرْضِ غَمْزَةً شَدِيدَةً، حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِأَعْظَمَ مِنْهُ لَئِنْ مَكَّنَنِي اللَّهُ مِنْكَ يَا عُقْبَةُ لَأَقْتُلَنَّكَ، فَقَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَ قَدْ جِي‏ءَ بِهِ أَسِيراً فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَ صَدَقَ مَا قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

16- وَ عَنْهُ عَنِ الْخَضِرِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ النَّخَعِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِنَانِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا مَعَاشِرَ أَصْحَابِي يَأْتِيكُمُ السَّاعَةَ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ آلِ غَسَّانَ فَيُسْلِمُ سَبْعَةٌ وَ يَرْجِعُ رَجُلَانِ كَافِرَانِ، وَ لَا يَصِلَانِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ حَتَّى يُبْلَيَانِ بِبَلِيَّةٍ، أَحَدُهُمَا يَأْكُلُهُ السَّبُعُ وَ الْآخَرُ يَعَضُّهُ بَعِيرُهُ فَيُورِثُهُ حُمْرَةً وَ بَعْدَ الْحُمْرَةِ أَكِلَةً، فَيَمُوتُ وَ يَلْحَقُ بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ.

فَلَمَّا أَصْبَحَ أَقْبَلَ النَّفَرُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: إِنَّ مُحَمَّداً لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ مِنَ الْجِنِّ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْسَنَهُمْ قَوْلًا، وَ قَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ كَذَّابٌ مَجْنُونٌ، فَأَسْلَمَ مِنَ الْقَوْمِ سَبْعَةٌ، وَ رَجَعَ اثْنَانِ كُفَّاراً

الهداية الكبرى، ص: 63

بِمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ).

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

17- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَبَلَةَ التَّمَّارِ، عَنْ حَامِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّيَّاتِ، عَنْ صَنْدَلٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ فَرَزْدَقٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِالرِّسَالَةِ جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْخُزَاعِيِّ، وَ هُوَ فِي غَنَمٍ لَهُ يَطْرُدُهُ عَنْهَا كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ فَقَالَ فِي الْكَرَّةِ الرَّابِعَةِ: مَا رَأَيْتُ أَصْفَقَ وَجْهاً مِنْكَ ذِئْباً، قَالَ الذِّئْبُ: بَلْ أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَصْفَقُ مِنِّي وَجْهاً، فَقَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: مَنْ هُوَ يَا ذِئْبُ؟ قَالَ لَهُ: أَنْتَ قَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟

قَالَ الذِّئْبُ: هَذَا النَّبِيُّ ظَهَرَ بَيْنَكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ أَنْتُمْ لَا تُجِيبُونَهُ. قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ الذِّئْبُ: أَقُولُ الْحَقَّ. قَالَ لَهُ: وَ أَيْنَ هُوَ؟

قَالَ: بِيَثْرِبَ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: وَ مَنْ يَحْفَظُ غَنَمِي؟ قَالَ الذِّئْبُ: أَنَا أَحْفَظُهَا حَتَّى تَذْهَبَ إِلَيْهِ فَتُؤْمِنَ بِهِ، قَالَ الذِّئْبُ: اللَّهَ لَكَ بِذَلِكَ قَالَ:

فَلَمْ يَزَلْ فِي غَنَمِهِ يَحْفَظُهَا حَتَّى وَصَلَ الْأَشْعَثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ مَعَ الذِّئْبِ وَ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَادَ إِلَى غَنَمِهِ وَ الذِّئْبُ يَحْفَظُهَا، فَدَفَعَ لِلذِّئْبِ سَخْلَةً مِنْ غَنَمِهِ، فَأَكَلَهَا الذِّئْبُ وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

18- وَ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى غَزَاةِ تَبُوكَ وَ خَلَّفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ سَائِرَ مَنْ بِهَا، فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَ قَالُوا مَا بَالُ عَلِيٍّ مُقَدَّمٌ فِي كُلِّ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ قَدْ أَخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِالْمَدِينَةِ وَ مَا هَذَا إِلَّا اجْتِزَاءً عَنْ عَلِيٍّ، وَ بُغْضاً لَهُ لِئَلَّا يَشْهَدَ فَضْلَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى وَافَى مُعَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ:

الهداية الكبرى، ص: 64

فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا عَلِيُّ مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ مَا خَلَّفْتَنِي بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مِنْ بُغْضِكَ لِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ يَا عَلِيُّ كَيْفَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ يُخْبِرُنِي مُشَافَهَةً- حَيْثُ أُسْرِيَ بِي إِلَيْهِ- أَمَرَنِي أَنْ أُوَاخِيَكَ وَ أُزَوِّجَكَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِي سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ زَوَّجَكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكَ جَمِيعَ عِلْمِي وَ لَا أَتْرُكَكَ، وَ أَنْ أُقَرِّبَكَ وَ لَا أَجْفُوَكَ، وَ أُدْنِيَكَ وَ لَا أُقْصِيَكَ، وَ أَنْ أَصِلَكَ وَ لَا أَقْطَعَكَ وَ أَنْ أُرْضِيَكَ وَ لَا أُسْخِطَكَ، وَ أَنْتَ أَخِي وَ أَنَا أَخُوكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ لَا يُعْطَى أَحَدٌ الشَّفَاعَةَ غَيْرِي وَ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُشْرِكَكَ فِيهَا مَعِي فَفَعَلَ، فَمَنْ لَهُ مِثْلُ مَا لَكَ، وَ مَنْ أُعْطِيَ مِثْلَمَا أُعْطِيتَ.

يَا عَلِيُّ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى حِينَ خَلَّفَهُ فِي قَوْمِهِ.

فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ذَلِكَ رَجَعَ عَلِيٌّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْتَبْشِراً مَسْرُوراً، وَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ النَّاسُ مَعَهُ، فَشَكَوُا الْعَطَشَ فَقَالَ لِلنَّاسِ: اطْلُبُوا الْمَاءَ فَلَمْ يُصِيبُوا قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً، حَتَّى خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَ مَاتَ بَعْضُهُمْ وَ بَعْضُ دَوَابِّهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا مَا نَزَلَ بِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَسْقِينَا رِيّاً مِنَ الْمَاءِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْحَثْ بِيَدِكَ هَذَا الصَّعِيدَ، وَ ضَعْ قَدَمَيْكَ وَ إِصْبَعَيْكَ الْمُسَبِّحَتَيْنِ فَيَنْفَجِرَ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً* كَمَا انْفَجَرَتْ لِمُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَوَضَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَشْرَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ وَ سَبَّابَتَيْهِ، وَ سَمَّى بِاسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ دَعَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، لِلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ إِصْبَعاً، وَ فَاضَ الْمَاءُ حَتَّى مَلَأَ الْوَادِيَ وَ الْبُقْعَةَ وَ شَرِبَ النَّاسُ وَ سَقَوْا دَوَابَّهُمْ، وَ حَمَلُوا مِنَ الْمَاءِ مَا كَفَاهُمْ إِلَى الْمَاءِ الْآخَرِ وَ أُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِثْلَ الَّذِي أُعْطِيَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مَوْضِعُ الْمَاءِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقِ الْحُدَيْثَةِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

الهداية الكبرى، ص: 65

19- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَزِيدَ الطَّرِيقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَهْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ دَعَا النَّاسَ إِلَى دِينِ اللَّهِ أَبَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَ كَذَّبَتْهُ وَ جَمِيعُ الْعَرَبِ فَبَقِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُسْتَجِيراً فِي الْبِلَادِ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ، وَ كَانَ يَخْرُجُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى الشِّعَابِ فَيُصَلِّيَانِ فِيهَا سِرّاً مِنْ قُرَيْشٍ، وَ مِنَ النَّاسِ، وَ كَانَتْ خَدِيجَةُ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) تَخَافُ عَلَيْهِمَا أَنْ تَقْتُلَهُمَا قُرَيْشٌ، فَجَاءَتْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي لَسْتُ آمَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ عَلَى عَلِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا، فَإِنِّي أَرَاهُمَا يَذْهَبَانِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ يُصَلِّيَانِ فَأَتَاهُمَا أَبُو طَالِبٍ، وَ قَالَ لَهُمَا: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ سَيَكُونُ لَهُ آخِرٌ، وَ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ لَدِينُ اللَّهِ، وَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمَا، فَاتَّقِيَا قُرَيْشاً، فَوَ اللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمَا إِلَّا مِنْ قُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَ مَا أَنْتُمَا بِكَاذِبَيْنِ، وَ لَكِنَّ الْقَوْمَ يَحْسُدُونَكُمَا، وَ الَّذِي دَعَوْتُمَا إِلَيْهِ عَظِيمٌ عِنْدَهُمْ، وَ إِنَّمَا تُرِيدَانِ أَنْ تُقَلِّبَاهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَ دِينِ آبَائِهِمْ إِلَى دِينٍ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ يَسْتَعْظِمُونَ مَا تَدْعُوَانِهِمْ إِلَيْهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لَأَمْلِكَنَّ رِقَابَهُمْ، وَ لَأَطَأَنَّ بِلَادَهُمْ بِالْخَيْلِ، وَ لَتُسْلِمَنَّ قُرَيْشٌ وَ الْعَرَبُ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وَ لَأَقْطَعَنَّ أَكَابِرَهُمْ جَهْراً وَ لَآخُذَنَّهُمْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً، وَ هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ).

فَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ مِنْ عِنْدِهِمَا وَ هُوَ مِنْ أَسَرِّ النَّاسِ بِمَا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَتَى أَبُو طَالِبٍ خَدِيجَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) وَ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَفَرِحَتْ فَرَحاً شَدِيداً وَ سُرَّتْ بِمَا قَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ، وَ عَلِمَتْ أَنَّهُمَا فِي حِفْظِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ).

فَكَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

الهداية الكبرى، ص: 66

20 وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَجِيحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَزَّازِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بنشط عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ دَعَا قُرَيْشاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَنَفَرَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ وَ قَالُوا يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، لَقَدِ ادَّعَيْتَ أَمْراً عَظِيماً أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ عَلَيْكَ، فَقَدْ كَذَبْتَ عَلَى اللَّهِ وَ مَلَائِكَتِهِ، وَ دَخَلْتَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ السَّحَرَةُ وَ الْكَهَنَةُ.

فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لِمَ تَجْزَعُونَ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى عِبَادَتِهِ؟ وَ اللَّهِ مَا دَعَوْتُكُمْ حَتَّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ، وَ مَا أَدْعُوكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا حَجَراً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَ لَا وَثَناً وَ لَا صَنَماً وَ لَا نَاراً، وَ إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا مَنْ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَ خَلَقَ الْخَلْقَ جَمِيعاً، وَ هُوَ يَنْفَعُكُمْ وَ يَضُرُّكُمْ، وَ يُمِيتُكُمْ وَ يُحْيِيكُمْ وَ يَرْزُقُكُمْ.

ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ لَتَسْتَجِيبَنَّ إِلَى هَذَا الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ، طَائِعِينَ أَوْ كَارِهِينَ صَغِيرُكُمْ وَ كَبِيرُكُمْ، فَبِهَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ مَا أَنَا بِكَاذِبٍ وَ مَا بِي مِنْ جُنُونٍ وَ لَا سِحْرٍ وَ لَا كِهَانَةٍ، فَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، فَاسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

21- وَ عَنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ خَالِدٍ الْآبِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ الْحَلَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ:: لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِعَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ: أَبْشِرُوا فَوَ اللَّهِ لَأَسُوقَنَّ قُرَيْشاً وَ جَمِيعَ الْعَرَبِ بِعَصَايَ هَذِهِ، طَائِعِينَ أَمْ كَارِهِينَ، وَ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ إِنْ شَاءَ، أَنْبِئُوهُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِمَا يَسُوءُهُمْ، فَهُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ تَفَضُّلٌ عَلَيْكُمْ فَخُذُوا مَا أَعْطَاكُمْ وَ اشْكُرُوهُ وَ احْمَدُوهُ، وَ لَا تَكُونُوا مِثْلَ هَذِهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 67

الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ، وَ قُرَيْشٍ الْحَسَدَةِ الظَّلَمَةِ الْمُفْتَرِينَ.

، فكان هذا من عجائبه و دلائله (عليه السلام).

22- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ حَمْدَانَ بْنِ الْخَصِيبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَصِيبِ- وَ كَانَ مُرَابِطاً لِسَيِّدِنَا أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ الصَّيْدَنَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّكَنِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، وَ قَالُوا: زَعَمْتَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا فَمَا الَّذِي صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ: اتَّخَذَنِي حَبِيباً، وَ الْحَبِيبُ أَقْرَبُ مِنَ الْخَلِيلِ إِلَى خَلِيلِهِ.

قَالُوا: فَإِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً فَمَا صَنَعَ بِكَ؟ قَالَ:

صَنَعَ بِي مَا صَنَعَ بِمُوسَى، وَ زَادَنِي عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ فَوْقَ الْأَرْضِ، وَ كَلَّمَنِي فِي حُجُبِ النُّورِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ.

قَالُوا: إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَلَانَ الْحَدِيدَ لِدَاوُدَ حَتَّى عَجَنَهُ بِيَدِهِ بِلَا نَارٍ وَ قَدَّرَهُ فِي السَّرْدِ، وَ عَمِلَ مِنْهُ الدُّرُوعَ وَ الْخُوَذَ، فَمَا الَّذِي صَنَعَ بِكَ؟

قَالَ: صَنَعَ بِي مَا صَنَعَ بِدَاوُدَ وَ زَادَنِي عَلَيْهِ أَنِّي عَلَوْتُ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ عَلَى نَاقَتِيَ الْعَضْبَاءِ مُشْرِفاً عَلَى جَمِيعِكُمْ وَ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ إِخْرَاجِي مِنْ مَكَّةَ فَرَكِبْتُ نَاقَتِي فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فِي رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَ لَيَّنَ لِيَ الْحَجَرَ حَتَّى غَاصَتْ وَ هِيَ بَارِكَةٌ وَ انْقَلَبْتُ مُسْتَلْقِياً عَلَى قَفَايَ فَلَانَ لِيَ الْحَجَرُ حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهِ صُورَةُ ظَهْرِي وَ قَفَايَ وَ تَخْطِيطُ شَعْرِي فِي الْحَجَرِ، وَ هَا أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَ لَنْ يَخْفَى ذَلِكَ الْأَثَرُ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ مَبْرَكَ النَّاقَةِ وَ أَثَرَ رِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي الْحَجَرِ فَوْقَ الْجَبَلِ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ ثَمَانِينَ وَ مِائَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ حَجَجْتُ، وَ مَعِي جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ، وَ تَمَسَّحْنَا بِالْمَوْضِعِ‏

الهداية الكبرى، ص: 68

وَ صَلَّيْنَا عِنْدَهُ.

وَ يَرْجِعُ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

وَ هَذَا سَيْفٌ مِنْ أَسْيَافِكُمْ فَأَعْطُونِيهِ حَتَّى أَجْعَلَهُ مَا شِئْتُمْ بِيَدِي فَقَالُوا: هَذَا سَيْفٌ مِنْ أَسْيَافِنَا فَقَطِّعْهُ لَنَا إِبَراً مُثَقَّبَةً إِلَى الْأَسْفَلِ بِلَا نَارٍ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سَيْفاً مِنْ أَسْيَافِهِمْ فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ بِيَدِهِ إِبَراً مُثَقَّبَةً إِلَى الْأَسْفَلِ بِلَا نَارٍ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ، وَ قَالَ: أَ تُحِبُّونَ أَنْ أُقَطِّعَ لَكُمْ حَمَائِلَهُ إِبَراً؟ قَالُوا: هُوَ مِنْ أَدِيمٍ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ يَجْعَلُهَا اللَّهُ حَدِيداً.

وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ إِلَى حَصًى رَضْرَاضٍ كَانَ جَالِساً عَلَيْهِ فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَةً وَ قَالَ يَا حَصَى سَبِّحِ اللَّهَ بِكُلِّ لُغَةٍ فِي كَفِّي فَنَطَقَ ذَلِكَ الْحَصَى بِثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ لُغَةً يَثَّبَّتُهَا مَنْ عَرَفَهَا بِتَسْبِيحِ اللَّهِ وَ تَقْدِيسِهِ وَ تَمْجِيدِهِ، وَ الشَّهَادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ بِالرِّسَالَةِ وَ لِعَلِيٍّ بِالْإِمَامَةِ.

قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ الْجِبَالُ‏ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ، وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ‏ قَالَ النَّبِيُّ: (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): انْظُرُوا بِأَعْيُنِكُمْ وَ اسْمَعُوا بِآذَانِكُمْ مَا ذَا تُجِيبُ الْجِبَالُ ثُمَّ صَاحَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا جِبَالَ مَكَّةَ وَ مَنْ حَوْلَهَا وَ الرِّيحُ وَ التِّلَاعُ أَجِيبِينِي بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَا أَيُّهَا الطَّيْرُ آوِي إِلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ.

قَالَ فَصَاحَتْ جِبَالُ مَكَّةَ وَ مَا حَوْلَهَا وَ الرِّيحُ وَ التِّلَاعُ، وَ كُلُّ شِعْبٍ بِمَكَّةَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِجَابَةً لِدَعْوَتِكَ وَ طَاعَةً لِأَمْرِكَ، وَ أَقْبَلَتِ الطُّيُورُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ صِغَاراً وَ كِبَاراً، بَرِّيٌّ وَ بَحْرِيٌّ وَ جَبَلِيٌّ وَ سَهْلِيٌّ، حَتَّى انْفَرَشَتْ بِمَكَّةَ وَ سُطُوحَاتِهَا وَ طُرُقَاتِهَا وَ حَجَبَتِ الطَّيْرُ السَّمَاءَ بِأَجْنِحَتِهَا عَنْهُمْ.

فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى لِعِيسَى إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ وَ إِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَ الْأَبْرَصِ وَ أَنْ يَخْلُقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخَ فِيهِ‏ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ‏، وَ نَبَّأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يَأْكُلُونَ وَ مَا يَدَّخِرُون فِي بُيُوتِهِمْ وَ نَحْنُ‏

الهداية الكبرى، ص: 69

نَسْأَلُكَ أَنْ تُحْيِيَ لَنَا مَيِّتاً، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِبُرْدَتِيَ السَّحَابِ وَ قَضِيبِيَ الْمَمْشُوقِ ثُمَّ كَلَّمَهُ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ لَا يُفْهَمُ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ يَا عَلِيُّ مَعَهُمْ إِلَى بَلَاطَةٍ مِنْ بَلَاطِهِمْ فَأَحْيِ لَهُمْ مَنْ أَرَادُوا مِنَ الْمَوْتَى فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْبَلَاطَةِ بِظَهْرِ شِعْبِ بَنِي سَعْدٍ قَالُوا: يَا عَلِيُّ هَذَا قَبْرُ سَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِنَا مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ، وَ قَدْ مَاتَ قَرِيباً وَ قَدْ دَفَنَّاهُ بِالْأَمْسِ، وَ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْحَيَاةِ، أَحْيِهِ لَنَا حَتَّى نَسْأَلَهُ، فَدَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْقَبْرِ، وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ ثُمَّ رَكَلَ الْقَبْرَ بِرِجْلِهِ فَارْتَجَّتِ الْأَرْضُ وَ زُلْزِلَتْ حَتَّى خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا يَا عَلِيُّ أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ فَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ الْأَمْرُ لِي، بَلِ الْأَمْرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هَذَا مَيِّتُكُمْ فَكَلِّمُوهُ، فَإِذَا هُمْ بِالْقَبْرِ قَدِ انْشَقَّ، وَ خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ أَكْفَانِهِ بِعَيْنِهِ وَ اسْمِهِ وَ نَسَبِهِ فَقَالَ: يَا وَيْلَكُمْ يَا مُنَافِقِي قُرَيْشٍ، مَا أَجْرَأَكُمْ عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، أَ وَ لَمْ أُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى شَهَرْتُمُونِي فِي الدُّنْيَا فَوَلَّوْا هَارِبِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَا تَتَمَرَّدُونَ عَلَيَّ وَ إِنَّمَا تَمَرُّدُكُمْ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَا تُقِلْهُمْ فَإِنِّي لَا أُقِيلُهُمْ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بَعْدَ أَنْ رَدَّ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ.

، فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

23- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُمِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ شِهَابٍ الْقُمِّيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ: لَمَّا أَرْضَعَتْ حَلِيمَةُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَقْبَلَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ: يَا حَلِيمَةُ مَنْ هَذَا الصَّبِيُّ؟ فَقَالَتْ: ابْنُ أَخِي أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ سَنَتُنَا سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ كَمَا تَرَيْنَ فَإِذَا أَرْضَعْتِ هَذَا الصَّبِيَّ مَعَ ابْنِكَ أَضْرَرْتَنَا بِهِ، فَقَالَتْ:

الهداية الكبرى، ص: 70

وَ اللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ لِهَذَا الصَّبِيِّ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَحَبَّةِ شَيْ‏ءٌ لَا أُحْسِنُ أَصِفُهُ لَكَ، فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ سَرَّحَتْ غَنَمَهَا وَ حَمِيرَهَا مَعَ غَنَمِ النَّاسِ وَ حَمِيرِهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَوْا وَ رَاحَتِ الْأَغْنَامُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ رَاحَتْ غَنَمُ حَلِيمَةَ حَفَلَةً يَكَادُ يَبْدُرُ مَا فِي ضَرْعِهَا مِنَ اللَّبَنِ وَ دَوَابُّهَا بَطِينَةٌ تَكَادُ أَنْ تُفْزَرَ، وَ رَاحَتِ الْأَغْنَامُ عَلَى مَا كَانَتْ تَرُوحُ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: كَيْفَ هَذَا صَارَ إِنَّ أَغْنَامَنَا هَلَكَتْ مِنَ الْجُوعِ، وَ أَغْنَامُ حَلِيمَةَ وَ دَوَابُّهَا تَرُوحُ بَطِينَةً تَكَادُ تَتَفَزَّرُ، وَ ضُرُوعُهَا حَفَلَةٌ، فَقَالَتْ حَلِيمَةُ لِزَوْجِهَا يَا فُلَانُ أَ تَسْمَعُ النَّاسَ مَا يَقُولُونَ؟

قَالَ: يَا حَلِيمَةُ قَدْ رَمَى النَّاسُ غَنَمَكَ وَ دَوَابَّكَ بِأَبْصَارِهِمْ فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَى أَمْوَالِنَا أَنْ تَهْلِكَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، فَقَالَتْ لَهُ حَلِيمَةُ: كَلَّا- وَ كَانَتْ مُوَفَّقَةً وَ اللَّهِ يَا فُلَانُ إِنَّا لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَ إِلَهُنَا رَزَقَنَا مَا تَرَى حَتَّى يَكُونَ لَدَيْنَا عَظِيماً فَلَمَّا انْتَشَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ صَارَ يَخْرُجُ مَعَ الرُّعَاةِ إِلَى الْبَرِيَّةِ كَانَ يَتَجَلَّى لَهُ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَيَفْزَعُ فَفَطَنَتْ بِهِ حَلِيمَةُ فَكَانَتْ تَكْتُمُ ذَلِكَ زَمَاناً حَتَّى أَتَاهَا صَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ فَأَخْبَرَهَا بِخَبَرِهِ فَلَمْ تَدْرِ حَلِيمَةُ مَا تَصْنَعُ، فَاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً، وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَسْرَعِ النَّاسِ شَبَاباً حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَآمَنَتْ بِهِ حَلِيمَةُ وَ زَوْجُهَا وَ عَلِمَا أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِمَّا كَانَا يَرَيَاهُ فِي مَنَازِلِهِمَا مِنَ الْخَيْرِ وَ الْبَرَكَةِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

24- وَ عَنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ وَ كَانَ جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ رَاوِياً عُلُومَ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) قَالَ:- وَ كَانَ الْحَسَنُ عَمُّهُ مِنْ فُقَهَاءِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ- (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) الرِّسَالَةَ وَ الْوَحْيَ بِمَكَّةَ وَ أَرَاهُمُ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةَ وَ الْبَرَاهِينَ الْمُبْهِرَةَ تَحَيَّرَتْ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ فِيمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُ‏

الهداية الكبرى، ص: 71

(عَلَيْهِ السَّلَامُ) اجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ قَالُوا لِذِي الرَّأْيِ مِنْهُمْ مَا ذَا تَرَوْنَ مِنَ الرَّأْيِ فِي مَا يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ السَّحَرَةِ وَ الْكَهَنَةِ وَ الْجِنِّ وَ أَتَى بِشَيْ‏ءٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ أَحَدٌ حَتَّى نَسْأَلَ مُحَمَّداً مِنْ أَيْنَ أَتَى بِهِ فَلَمْ يُدْعَ بِدِينِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ لَا الْكَهَنَةِ وَ السَحَرَةِ وَ لَا الْجِنِّ الْمُسَخَّرَةِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَ لَا مُعْجِزَةٍ إِلَّا وَ قَدْ أَتَاهُمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِمِثْلِهَا وَ أَعْظَمَ مِنْهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اجْمَعُوا عَلَى أَنْ نَسْأَلَهُ أَنْ يَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِي السَّمَاءِ وَ يُنْزِلَهُ إِلَى الْأَرْضِ شُعْبَتَيْنِ فَإِنَّ الْقَمَرَ مَا سَمِعْنَا مِنْ سَائِرِ النَّبِيِّينَ أَحَداً يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَا قَدَرَ عَلَى الشَّمْسِ فَإِنَّهَا رَجَعَتْ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَصِيِّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تُرَدُّ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ هُوَ النُّمْرُودُ ثُمَّ رُدَّتْ عَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَنَا آيَةً إِنْ أَتَيْتَ بِهَا آمَنَّا بِكَ وَ صَدَّقْنَاكَ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ اسْأَلُونِي فَإِنِّي أُنَبِّئُكُمْ بِكُلِّ آيَةٍ لَوْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ الْوَعْدُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَ طُلُوعُ الْقَمَرِ، تَقِفُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ فَتَسْأَلُ رَبَّكَ الَّذِي تَقُولُ إِنَّهُ أَرْسَلَكَ رَسُولًا أَنْ يَشُقَّ لَكَ الْقَمَرَ شُعْبَتَيْنِ، وَ يُنْزِلَهُ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْقَسِمَ قِسْمَيْنِ، وَ يَقَعَ الْقِسْمُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ، وَ الْقِسْمُ الثَّانِي عَلَى الصَّفَا.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): فَهَلْ أَنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا قُلْتُمْ إِنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

قَالُوا: نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ، وَ تَسَامَعَ النَّاسُ وَ أَتَوْا إِلَى سَوَادِ اللَّيْلِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَى الْبَيْتِ وَ حَوْلِهِ حَتَّى أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَ اسْوَدَّ وَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَ أَنَارَ،

الهداية الكبرى، ص: 72

وَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ وَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ قَالُوا لَهُ: الْآنَ بَطَلَ سِحْرُكَ وَ كِهَانَتُكَ، هَذَا الْقَمَرُ فَأَوْفِ بِعَهْدِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ قِفْ بِجَانِبِ الصَّفَا، وَ هَرْوِلْ إِلَى الْمَشْعَرَيْنِ وَ نَادِ بِهَذَا إِظْهَاراً وَ قُلْ فِي نِدَائِكَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَ زَمْزَمَ وَ الْمَقَامِ وَ مُرْسِلَ هَذَا الرَّسُولِ التِّهَامِيِّ ائْذَنْ لِلْقَمَرِ أَنْ يَنْشَقَّ وَ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَقَعَ نِصْفُهُ عَلَى الصَّفَا وَ نِصْفُهُ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ فَقَدْ سَمِعْتَ سِرَّنَا وَ نَجْوَانَا وَ أَنْتَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ».

فَتَضَاحَكَتْ قُرَيْشٌ وَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً اسْتَشْفَعَ بِعَلِيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَ لَا ذَنْبَ لَهُ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) لَقَدْ أَشْمَتَنَا اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ أَخِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) اخْسَأْ يَا مَنْ أَتَبَّ اللَّهُ يَدَيْهِ، وَ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ وَ لَا بَنُوهُ، وَ تَبَيَّنَ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ.

فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَأَفْضَحَنَّكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالْقَمَرِ وَ شَقِّهِ وَ إِنْزَالِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَ لَأَفْلَتَ كَلَامُكَ هَذَا الَّذِي إِذَا كَانَ غَداً جَعَلْتَهُ سُورَةً، وَ قُلْتَ هَذَا أُوحِيَ إِلَى أَبِي لَهَبٍ.

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) امْضِ يَا عَلِيُّ فِيمَا أَمَرْتُكَ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الْجَاهِلِينَ، ثُمَّ هَرْوَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَشْعَرَيْنِ، وَ نَادَى وَ أَسْمَعَ بِالدُّعَاءِ فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى كَادَتِ الْأَرْضُ أَنْ تَسِيخَ بِأَهْلِهَا وَ السَّمَاءُ أَنْ تَقَعَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ أَعْجَزَكَ شَقُّ الْقَمَرِ أَتَيْتَنَا بِسِحْرِكَ لِتَفْتِنَّا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) هَانَ عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُ بِهِ فَإِنَّ السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ لَا يُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَ لَا يُطِيقَانِ سَمَاعَهُ، فَقُومُوا بِأَجْمَعِكُمْ وَ انْظُرُوا إِلَى الْقَمَرِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَ‏

الهداية الكبرى، ص: 73

نِصْفَيْنِ نِصْفاً وَقَعَ عَلَى الصَّفَا وَ نِصْفاً وَقَعَ عَلَى الْمَشْعَرَيْنِ، فَأَضَاءَتْ دَاخِلَ مَكَّةَ وَ أَوْدِيَتَهَا وَ صَاحَ الْمُنَافِقُونَ: أَهْلَكَنَا مُحَمَّدٌ بِسِحْرِهِ يَا مُحَمَّدُ افْعَلْ مَا شِئْتَ فَلَنْ نُؤْمِنَ بِكَ وَ لَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ.

ثُمَّ رَجَعَ الْقَمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنَ الْفَلَكِ، وَ أَصْبَحَ النَّاسُ يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ: وَ اللَّهِ لَنُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ وَ لَنُقَاتِلَنَّكُمْ مَعَهُ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ سَقَطَتِ الْحُجَّةُ وَ تَبَيَّنَ الْأَعْذَارُ وَ أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُورَةُ أَبِي لَهَبٍ وَ اتَّصَلَتْ بِهِ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً فَعَلَ مَا قُلْتُهُ لَهُ فِي تَأْلِيفِهِ لَهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ لِيَشْنَعَنِي بِهِ، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّداً يُعَادِينِي لِكُفْرِي بِهِ وَ تَكْذِيبِي لَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ خَاصَّةً لِسَبَبِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِمَا أَتَتْ أُمُّهُ بِتِلْكَ الْفَاحِشَةِ وَ أَحْرَقَهَا أَبُونَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى الصَّفَا وَ كَانَ أَشَدَّهُمْ لَهُ جَحْداً الْحَارِثُ وَ الزُّبَيْرُ وَ أَبُو طَالِبٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَلْحَقْتُ الْعَبَّاسَ بِالنَّسَبِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَلَّفَ هَذَا وَ يَزْعُمُ أَنَّهَا سُورَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَوَ حَقِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ أَتَى مُحَمَّدٌ بِمَا يَمْلَأُ الْأُفُقَ مِنَ الْمَدْحِ مَا آمَنْتُ بِهِ وَ لَا فِيمَا جَاءَ بِهِ وَ لَوْ عَذَّبَنِي رَبُّ الْكَعْبَةِ بِالنَّارِ.

فَآمَنَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سِتُّمِائَةٍ وَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَ أَكْثَرُهُمْ أَسَرَّ إِيمَانَهُ وَ كَتَمَهُ إِلَى أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَاتَ أَبُو لَهَبٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) وَ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ وَ أَسَرَّ أَبُو سُفْيَانَ وَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَ الْعَبَّاسُ وَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ أَسَرَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِقْدَارَ ثَمَانِينَ رَجُلًا تَحْتَ الْقَدَمِ فَكَانُوا طُلَقَاءَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ إِيمَانُهُمْ وَ هُمْ لَا يُنْظَرُونَ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

25- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بِمَكَّةَ عَظُمَ عَلَى قُرَيْشٍ أَمْرُهُ وَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَ مَا كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:

لَيْسَ لَنَا إِلَّا قَتْلُ مُحَمَّدٍ، وَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا أَقْتُلُهُ لَكُمْ قَالُوا: وَ كَيْفَ‏

الهداية الكبرى، ص: 74

تَصْنَعُ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَظَلُّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي مَغَارَةِ الْجَبَلِ أَوْ فِي الْوَادِي وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَمْضِي إِلَى جَبَلِ حِرَاءَ فَيَظَلُّ فِيهِ قَالُوا:

وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنَّهُ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا قَذَفَهُ حَتَّى يُقَطِّعَهُ قِطَعاً وَ كَيْفَ يَمْضِي مُحَمَّدٌ إِلَيْهِ فَبَعَثُوا إِلَى رُصَّادِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالُوا: تَجَسَّسُوا لَنَا عَلَيْهِ أَيْنَ يَظَلُّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَ دُورُوا مِنْ حَوْلِ حِرَاءَ فَلَعَلَّ تَلْقَوْنَ مُحَمَّداً فَتَقْتُلُوهُ فَنُكْفَى مَؤُونَتَهُ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ بِيَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ خَرَجَ وَ أَصْحَابُهُ لَا يَشْعُرُونَ وَ أَبُو سُفْيَانَ وَ جَمِيعُ الرَّصَدَةِ مُقَنَّعُونَ مِنْ حَوْلِ الْجَبَلِ فَمَا شَعَرُوا حَتَّى وَافَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بَيْنَ يَدَيْهِ وَ صَعَدَا جَبَلَ حِرَاءَ فَلَمَّا دَارَا فِي دَوْرَةِ الْجَبَلِ اهْتَزَّ الْجَبَلُ وَ مَاجَ فَفَزِعَ أَبُو سُفْيَانَ وَ مَنْ مَعَهُ وَ تَبَاعَدُوا مِنَ الْجَبَلِ وَ قَالُوا: قَدْ كُفِينَا مَؤُونَةَ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ قَذَفَهُ حِرَاءُ وَ قَدْ قَطَّعَهُ، فَاطْلُبُوا مِنْ حَوْلِ الْجَبَلِ فَسَمِعُوا النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هُوَ يَقُولُ اسْكُنْ يَا حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَ وَصِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ يَا حِرَاءُ إِنْ قَرُبَ مِنْكَ أَبُو سُفْيَانَ وَ مَنْ مَعَهُ فَارْمِهِمْ بِهَوَامِّكَ حَتَّى تَنْهَشَهُمْ فَتَجْعَلَهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ.

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَ يُلَبِّيهِ مَنْ حَوْلَ جَوَانِبِهِ وَ يَقُولُ سَمْعاً وَ طَاعَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ لَكَ وَ لِوَصِيِّكَ عَلِيٍّ فَسَعَيْنَا عَلَى وُجُوهِنَا خَوْفاً أَنْ نَهْلِكَ بِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَ أَصْبَحُوا وَ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فَقَصُّوا قِصَّتَهُمْ وَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ مَا خَاطَبَهُ بِهِ حِرَاءَ فَقَالَ: أَبُو جَهْلٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ): فَمَا ذَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ؟ قَالُوا: إِنَّكَ سَيِّدُنَا وَ كَبِيرُنَا، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ نُكَافِحُ مُحَمَّداً بِالسَّيْفِ غَلَبْنَاهُ أَمْ غُلِبْنَا وَ فِي إِحْدَى الْقِتْلَتَيْنِ رَاحَةٌ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ بَقِيَ لِي كَيْدٌ أَكِيدُهُ فَقَالُوا لَهُ: وَ مَا هُوَ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ فَقَالَ خُبِّرْتُ أَنَّهُ يَسْتَظِلُّ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ تَحْتَ حَجَرٍ عَالٍ وَ فِي يَوْمِنَا هَذَا قَدْ أَتَى الْحَجَرَ وَ اسْتَظَلَّ بِهِ فَنَهُدُّهُ عَلَيْهِ بِجَمْعٍ ذِي قُوَّةٍ فَلَعَلَّنَا نُكْفَى مَؤُنَتَهُ فَقَالُوا: افْعَلْ يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَبَعَثَ يَرْصُدُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 75

وَ سَلَّمَ) حَتَّى عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ وَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) حَتَّى أَتَيَا الْحَجَرَ فَاسْتَظَلَّا بِهِ وَ جَعَلَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّي قَدْ أَرْقُدُ وَ أَبُو سُفْيَانَ يَأْتِيكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْجَبَلِ بِجَمْعٍ ذِي قُوَّةٍ فَإِذَا صَارَ فِي الْحَجَرِ اسْتَصَعْبَ عَلَيْهِمْ وَ امْتَنَعَ أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ أَيْدِيهِمْ فَأْمُرِ الْحَجَرَ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِمْ فَيَنْقَلِبُ فَيَقْتُلُ الْقَوْمَ جَمِيعاً وَ يُفْلِتُ أَبُو سُفْيَانَ وَحْدَهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا تَفْزَعُوا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا لِيُسْمِعَنَا فَلَا نَمْضِيَ إِلَى الْحَجَرِ وَ مُحَمَّدٌ رَاقِدٌ فِي حَجْرِ عَلِيٍّ فَرَامُوا أَنْ يَهُدُّوا الْحَجَرَ وَ يَقْتَلِعُوهُ فَيُقَلِّبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ وَ امْتَنَعَ مِنْهُمْ فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي سُفْيَانَ:

إِنَّا لَنَظُنُّ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ قَالَ حَقّاً نَحْنُ نَعْهَدُ أَنَّ هَذَا الْحَجَرَ يَقْلَعُهُ بَعْضُ عَدَدِنَا فَمَا بَالُهُ الْيَوْمَ مَعَ كَثْرَتِنَا لَا يَهْتَزُّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اصْبِرُوا عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَحَسَّ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَصَاحَ بِالْحَجَرِ: انْقَلِبْ عَلَى الْقَوْمِ فَأَتَى عَلَيْهِمْ غَيْرَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ فَمَا اسْتَتَمَّ مِنْ كَلَامِهِ، حَتَّى انْقَلَبَ الْحَجَرُ عَلَيْهِمْ فَتَفَرَّقُوا فَامْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَجَرُ وَ طَالَ حَتَّى كَسَرَ الْقَوْمَ جَمِيعاً تَحْتَهُ غَيْرَ أَبِي سُفْيَانَ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ يَضْحَكُ وَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، لَوْ أَحْيَيْتَ لَنَا الْمَوْتَى وَ سَيَّرْتَ الْجِبَالَ وَ أَعْطَاكَ اللَّهُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ لَعَصَيْتُكَ وَحْدِي فَسَمِعَ كَلَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَ اللَّهِ لَتُؤْمِنَنَّ بِي وَ تُطِيعُنِي مُكْرَهاً مَغْلُوباً إِذَا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ.

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَ قَدْ أَخْبَرْتَ يَا مُحَمَّدُ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَ إِيْمَانِي بِكَ وَ طَاعَتِي إِيَّاكَ فَهَذَا مَا لَا يَكُونُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَكَّةَ وَ أُسِرَ أَبُو سُفْيَانَ وَ آمَنَ كُرْهاً وَ أَطَاعَ صَاغِراً مَغْلُوباً.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَ لَقَدْ وَ اللَّهِ دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ فَنَظَرَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَكَابِرِ رَبِيعَةَ وَ الْيَمَنِ وَ مِصْرَ وَ سَادَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يُزَاحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَوَقَفَ أَبُو سُفْيَانَ مُتَحَيِّراً وَ قَالَ: يَا

الهداية الكبرى، ص: 76

مُحَمَّدُ قَدَّرْتَ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ تَذِلُّ لَكَ حَتَّى تَعْلُوَ دَعْوَاكَ هَذِهِ وَ تَقُولَ مَا تَقُولُ فَقَطَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) خُطْبَتَهُ وَ قَالَ لَهُ: عَلَى رَغْمِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ فَسَكَتَ أَبُو سُفْيَانَ خَجِلًا وَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ لَأَمْلَأَنَّ يَثْرِبَ خَيْلًا وَ رِجَالًا وَ لَأُخْمِدَنَّ نَارَكَ وَ لَأُعْفِرَنَّ آثَارَكَ فَقَطَعَ النَّبِيُّ خُطْبَتَهُ وَ قَالَ: يَا وَيْلَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدِي فَيَتَقَدَّمُكَ مَنْ هُوَ أَشْقَى مِنْكَ وَ أَمَّا بِعَهْدِي فَلَا وَ بَعْدِي يَكُونُ مِنْكَ وَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ مَا تَقُولُ فِي نَفْسِكَ إِلَّا أَنَّكَ لَا تُطْفِي نُورِي وَ لَا تَقْطَعُ ذِكْرِي وَ لَا يَدُومُ لَكُمْ ذَلِكَ وَ لَيَسْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ إِيَّاه وَ يُخَلِّدُكُمُ النَّارَ وَ لَيَجْعَلَنَّكُمْ شَجَرَتَهَا الَّتِي هِيَ‏ وَقُودُهَا النَّاسُ* فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ إِلَى تَمَامِ الْآيَةِ وَ الشَّجَرَةُ هِيَ بَنُو أُمَيَّةَ وَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

26- وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِي الْمُطَّلِبِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَالَ: لَمَّا سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَ أَجَابَهُ عَنْهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَ قَدْ أَسْلَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عِلْمٌ قَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ الْبَشَرِ أَوْ عَلَى أَلْسُنِ الْمَلَائِكَةِ؟

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَيْحَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْبَشَرُ كَيْفَ آخُذُ عَنْهُمْ؟ وَ اللَّهِ مَا أَتَانِي بِهِ إِلَّا جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ. قَالَ: وَ كَيْفَ تَسْمَعُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ سَمَاعاً بِأُذُنِي وَ مُنْزَلًا عَلَى قَلْبِي قَالَ ابْنُ سَلَامٍ تَعْلَمُ الْغَيْبَ سَمَاعاً يَا رَسُولَ اللَّهِ بِسَمْعِكَ وَ مُنْزَلًا عَلَى قَلْبِكَ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) الْغَيْبُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا سَمَاعٌ، وَ مِنْهَا نَبْتٌ فِي الْقَلْبِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ لَكَ بِذَلِكَ نَسْمَعُهُ وَ نَعْلَمُهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا فِي نَفْسِكَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مِنْ قَوْلِكَ أُومِنُ فَلَعَلَ‏

الهداية الكبرى، ص: 77

مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: وَ مَتَى قُلْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي نَفْسِي؟ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ: السَّاعَةَ بَيْنَ قَوْلِكَ لِي، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ..

27- وَ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لِجَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ: يَا جَابِرُ إِنَّ نَفَراً مِنْ شِيعَتِنَا فِي الْحَدِيقَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا لِلْحَدِيثِ وَ التَّذْكَارِ وَ قَدْ وَجَدُوا فِي حَدِيثِهِمْ حَدِيثَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الدِّبَابِ وَ شَكُّوا فِي عِدَّتِهِمْ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ لِيَأْتُوا إِلَيْنَا فَنُخْبِرَهُمْ بِعَدَدِهِمْ وَ أَسْمَائِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ وَ كَيْدِهِمْ لِجَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ، فَبَعَثَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ إِلَيْهِمْ وَ أَحْضَرَهُمْ عَلَى الْبَابِ وَ أَذِنَ لَهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ تَشُكُّونَ وَ نَحْنُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ تَلْقَوْنَا صَبَاحاً وَ مَسَاءً؟ فَقَالَ الْقَوْمُ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ يَا سَيِّدَنَا. وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): تَكَلَّمُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. فَقَالُوا: بِعِلَّةِ خَطَايَانَا وَ كَثْرَةِ ذُنُوبِنَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَا ذَكَرْتَ لَنَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً مِنْ إِمَامٍ خَبِيرٍ أَخْبِرْنَا يَا سَيِّدَنَا بِقِصَّةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أُخْبِرُكُمْ بِقِصَّتِهِمْ وَ عَدَدِ أَسْمَائِهِمْ فَقَالَ الْقَوْمُ: فَرِّجْ عَنَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ يَا سَيِّدَنَا فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُقِلَّ وَ السَّمَاءَ لَمْ تُظِلَّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَّا الِاثْنَيْ عَشَرَ أَصْحَابَ الْعَقَبَةِ أَشَدَّهُمْ لَعْنَةً وَ كُفْراً وَ جَحْداً وَ نِفَاقاً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ مُنْذُ الذَّرْوِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ بَدْوُ كُفْرِهِمْ‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فَقَالَ: ضِلِّيلُهُمْ وَ إِبْلِيسُهُمُ الْأَكْبَرُ مُكْرَهاً وَ قَالُوا مُكْرَهِينَ: نَعَمْ، وَ قَالَ إِبْلِيسُهُمْ لِجَحْدِهِ لَا بِغَيْرِ نُطْقٍ فَاسْتَحَالَ ظُلْمَةً وَ كَدَراً وَ أَسَرَّ مَا قَالَ كَمَا أَسَرَّ عِجْلُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ‏

الهداية الكبرى، ص: 78

(عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَسَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا فَعَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ وَ الْإِنْكَارِ وَ قَوْلِ الطَّاغُوتِ إِبْلِيسُهُمْ وَ جَاؤُوا مَعَهُ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ إِلَى أَنْ ظَهَرَ وَ ظَهَرُوا فِي الْجَانِّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ‏ مِنْ مارِجٍ‏ ... مِنْ نارِ السَّمُومِ‏ فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ آدَمَ وَ النِّدَاءَ لَهُ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ مِنْ قَتْلِ قَابِيلَ لِهَابِيلَ، وَ نَصْبِهِ لَهُمُ الْمُنَادَّةَ، الطَّاغِيَةَ الْبَاغِيَةَ، الْعَمَالِقَةَ وَ الْفَرَاعِنَةَ وَ الطَّوَاغِيتَ يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ وَ يَدَّعُونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَهُمْ وَ مَنْ آمَنَ بِهِمْ وَ صَدَّقَهُمْ وَ يُنْظَرُونَ مُمْهَلُونَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.

وَ قَالَ الْقَوْمُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَا سَيِّدَنَا وَ أُولَئِكَ الِاثْنَا عَشَرَ أَصْحَابُ عَقَبَةَ الدِّبَابِ هُمْ إِبْلِيسُ وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَحَدَ عَشَرَ الْأَضْدَادِ؟

قَالَ: هُوَ وَ اللَّهِ وَ هُمْ وَ اللَّهِ خَلْقُهُ، وَ إِنْ قُلْتُ إِنَّ هَؤُلَاءِ أُولَئِكَ حَقّاً أَقُولُ.

فَقَالُوا يَا سَيِّدَنَا، نُحِبُّ أَنْ تُعَرِّفَنَا قِصَّةَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: نَعَمْ أُخْبِرُكُمْ إِنَّ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ سَرَى وَ اللَّيْلُ مُظْلِمٌ مُعْتِمٌ، وَ هُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ الْعَضْبَاءَ، وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ مِنْ حَوْلِهِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْعَقَبَةِ اجْتَمَعَ الِاثْنَا عَشَرَ الْمُنَافِقُونَ فَقَالَ ضِلِّيلُهُمْ وَ إِبْلِيسُهُمْ زُفَرُ: يَا قَوْمِ إِنْ يَكُنْ يَوْمٌ تَقْتُلُونَ فِيهِ مُحَمَّداً فَهَذَا مِنْ لَيَالِيهِ، فَقَالُوا: وَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَ مَا تَعْلَمُونَ شَرَّ هَذِهِ الْعَقَبَةِ وَ صُعُوبَتَهَا وَ هَذَا أَوَانُهُ فَإِنَّهَا لَا يَرْقَى فِيهَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ لِضِيقِ الْمَسْلَكِ.

قَالُوا: مَا ذَا نَصْنَعُ وَ كَيْفَ نَقْتُلُ مُحَمَّداً؟ فَقَالُوا مَا يُمْكِنُ أَنْ نَقْتُلَهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: وَ لَيْسَ إِنَّمَا يَصْعَدُ وَحْدَهُ قَالَ لَهُمْ: لَا تُؤْمَنُونَ أَنْ يَبْدُرَكُمْ أَصْحَابُهُ فَتُقْتَلُونَ قَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ نَسْتَأْذِنُهُ بِالتَّقَدُّمِ وَ الصُّعُودِ فِي الْعَقَبَةِ وَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنُسَهِّلُ طَرِيقَهَا لَكَ وَ نُلْقِي مِنْ عَسَارَةِ رَصَدِهِ بِأَنْفُسِنَا دُونَكَ وَ لَا تَلْقَاهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّهُ يَحْمَدُنَا عَلَى ذَلِكَ‏

الهداية الكبرى، ص: 79

وَ نَتَقَدَّمُهُ قَالُوا: اصْنَعْ مَا ذَكَرْتَ، فَقَالَ: قَدْ فَكَّرْتُ فِي شَيْ‏ءٍ عَجِيبٍ نَقْتُلُ بِهِ مُحَمَّداً وَ لَا يَشْعُرُ بِنَا أَحَدٌ، فَقَالُوا: صِفْ لَنَا مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَقَالَ لَهُمْ نُكِبُّ هَذِهِ الدِّبَابَ الَّتِي فِيهَا الزَّيْتُ وَ الْخَلُّ، وَ نُلْقِي فِيهَا الْحَصَى وَ نَقِفُ فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ فَإِذَا أَحْسَسْنَا بِمُحَمَّدٍ يَرْقَى الْعَقَبَةَ، دَحْرَجْنَا الدِّبَابَ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَتَنْحَطُّ عَلَى وَجْهِ النَّاقَةِ فِي الْجَادَّةِ، لَهَا دَوِيٌّ فَتَذْعَرُ النَّاقَةُ فِي الْجَادَّةِ فَتَرْمِي مُحَمَّداً فَيَتَقَطَّعُ مَعَ نَاقَتِهِ وَ نَسْتَرِيحُ وَ نُرِيحُ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ مِنْهُ فَقَدْ أَضَلَّنَا وَ جَمِيعَ الْعَالَمِ بِسِحْرِهِ وَ كَذِبِهِ حَتَّى مَا لِأَحَدٍ مَعَهُ طَاقَةٌ.

قَالُوا نِعْمَ مَا رَأَيْتَ وَ نِعْمَ مَا احْتَلْتَ وَ أَشَرْتَ فَجَاؤُوا إِلَى الْعَقَبَةِ فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالُوا: فَدَيْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ قَدْ وَصَلْنَا إِلَى الْعَقَبَةِ فَنَحْنُ نَقِيكَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ مَحْذُورٍ، ائْذَنْ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَ فَنَرْقَى هَذِهِ الْعَقَبَةَ الصَّعْبَةَ وَ نَسْتَهِلَ طَرِيقَهَا وَ نَلْقَى رُصْدَانَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذِرْوَتِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) امْضُوا لِشَأْنِكُمْ وَ اللَّهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَ قَدْ تَوَلَّى إِلَى الْعَقَبَةِ- وَيْحَكَ يَا عُمَرُ سَمِعْتَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِمَا أَسْرَرْنَا فَنَهْلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَزَالُ خَائِفاً وَجِلًا مَرْعُوباً حَتَّى كَأَنَّ مَا أَتَيْنَا بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ خَلِّ عَنِ الصُّعُودِ، فَأَنَا أَتَقَدَّمُكَ وَ الْجَمَاعَةَ.

قَالَ فَتَقَدَّمَ عُمَرُ وَ تَلَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ تَلَاهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ تَلَاهُ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَ أَبُو مُوسَى وَ صَارُوا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ وَ كَبُّوا مَا كَانَ فِي دِبَابِهِمْ مِنَ الزَّيْتِ وَ الْخَلِّ وَ طَرَحُوا فِيهَا الْحَصَى وَ كَبَّرُوا وَ صَاحُوا يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ خَبِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ وَ لَا فِي ظَهْرِ الْجَبَلِ رَصَدَةٌ وَ لَا غَيْرُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ فَصَعِدَ وَ هُمْ يَرَوْنَ مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ ضِيَاءَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَدَارَةِ الْقَمَرِ يَجْلُو ذَلِكَ اللَّيْلَ فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ، مَعَ مُحَمَّدٍ مِصْبَاحٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: مَا هَذَا الضِّيَاءُ الَّذِي قَدْ أَضَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ حَوْلَهُ؟ فَقَالَ: شَيْ‏ءٌ مِنْ سِحْرِهِ الَّذِي نَعْرِفُهُ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يَتَوَارَى فَلَمَّا

الهداية الكبرى، ص: 80

أَحَسُّوا بِالنَّاقَةِ فِي ثُلُثَيِ الْعَقَبَةِ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ فِي وَجْهِهَا فَنَزَلَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ فَنَفَرَتِ النَّاقَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَسْرَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ كَانَ يَتْلُوهُ مِنْ وَرَائِهِ فِي الطَّرِيقِ وَ قَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ تَلَقَّتْهُ الدِّبَابُ فَأَقْبَلَ يَأْخُذُهَا بِرِجْلِهِ فَيَطْحَنُهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَ ضَجَّ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ فَصَاحَ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فَقَدْ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ نَزَلَ عَنِ النَّاقَةِ فِي وَقْتِ نُفُورِهَا وَ أَخَذَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) زِمَامَ النَّاقَةِ فِي الْعَقَبَةِ فِي أَغْصَانِ دَوْحَةٍ كَانَتْ بِجَانِبِ الْمَسْلَكِ فِي الْعَقَبَةِ وَ سُمِعَ لِلنَّاقَةِ صَرِيخٌ وَ الشَّجَرَةُ تُنَادِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عُقِدَ خِطَامُ نَاقَتِكَ فِي أَغْصَانِي.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَخِي جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الدَّوْحَةُ الَّتِي تُكَلِّمُنِي فَقَالَ: يَا حَبِيبَ اللَّهِ وَ رَسُولَهُ هَذِهِ الدَّوْحَةُ، أَثْلَةٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا وُلِدَ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُحِبَّةٌ، وَ اللَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تُكَلِّمَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْأَثْلِ كَمَا بَارَكْتَ فِي السِّدْرِ وَ قَدَّمَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) النَّاقَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَتَّى رَكِبَهَا وَ سَارَ وَ هِيَ تَمُرُّ كَمَرِّ السَّحَابِ وَ قَرَّبَ مَا كَانَ بَعِيداً مِنْ مَسْلَكِ هَذِهِ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَارَ كَالْأَرْضِ الْبَسِيطَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَدَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ نَادِ بِالْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا صَارُوا عَلَى ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اجْتَمَعُوا مِنْ حَوْلِهِ وَ قَالُوا فَدَيْنَاكَ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الْكَيْدُ؟ وَ مَنْ أَكَادَكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ، وَ انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ بِهَذَا الْكَيْدِ وَ مَنْ هُوَ أَكَادَنِي، وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ يَظُنُّونَ ذَلِكَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ رُصَّادِهِمْ زِيَادَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

الهداية الكبرى، ص: 81

أَصْحَابِ الدِّبَابِ فَنَزَلُوا أَكْثَرُ النَّاسِ وَ اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) سَبْعِينَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُمْ: قِفُوا مَعَنَا فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا أَنَا صَانِعٌ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ السَّبْعُونَ رَجُلًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): هَلْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ مِنْ كَبِّهِمْ مَا كَانَ فِي الْدِّبَابِ مِنْ زَادِهِمْ وَ طَرْحِهِمْ فِيهَا الْحَصَا وَ إِرْسَالِهَا فِي وَجْهِ النَّاقَةِ- نَاقَتِي- مُقَدِّرِينَ نُفُورَهَا بِي وَ سُقُوطِي عَنْهَا مِنْ ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ، فَأَهْلِكَ وَ تُقَطِّعَنِي النَّاقَةُ، وَ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَا قَالَهُ الِاثْنَا عَشَرَ أَصْحَابُ الدِّبَابِ وَ مَا تَشَاوَرُوا فِيهِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ إِلَى آخِرِهِ.

ثُمَّ قَالَ: إِنِّي مُخْتَارٌ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً يَكُونُوا سُعَدَاءَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ كَمَا الِاثْنَيْ عَشَرَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ أَشْقِيَاءَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَلَبَّاهُ السَّبْعُونَ رَجُلًا وَ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَ اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: أَوَّلُهُمْ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ الْأَشْهَلِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَ الْبَرَاءُ بْنُ مغرور [مَعْرُورٍ] الْأَنْصَارِيُّ، وَ الْمُنْذِرُ بْنُ لَوْذَانَ، وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ (بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ)، وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ النَّوْفَلِيُّ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ الْخَزْرَجِيُّ، وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَ رَافِعُ بْنُ وَرْقَا، وَ بِلَالُ بْنُ رِيَاحٍ الشَّنَوِيُّ.

فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: وَ اللَّهِ مَا حَسَدْتُ أَحَداً وَ لَا خَلَقَنِي اللَّهُ حَاسِداً وَ لَكِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ تَمَنَّيْتُ أَن أَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً فَإِنَّ لِلَّهِ مَا يَشَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ادْنُ مِنِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ قَالَ مَا يَكْفِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَا حُذَيْفَةُ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِلَّهِ الْحَمْدُ، وَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) كُلًّا مِنَ السَّبْعَةِ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا الْبَاقِينَ مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا

الهداية الكبرى، ص: 82

شَيْئاً مِنْ فَضْلِهِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: إِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ مَا خَصَّهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَ تَأْذَنُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي الْعَسْكَرِ فَأَجْمَعَ جَمِيعَهُمْ مُصَرِّحاً بِأَسْمَائِهِمْ أَصْحَابِ الدِّبَابِ وَ أَلْعَنَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) افْعَلْ إِذَا شِئْتَ فَصَاحَ حُذَيْفَةُ فِي ذِرْوَةِ الْعَقَبَةِ مُسْمِعاً جَمِيعَ الْعَسْكَرِ الَّذِي نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِ الْعَقَبَةِ إِلَى الْآخَرِ وَ هُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ أَفْضَحَ مَنْ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ مِنْكُمْ، أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ الْفَاسِقُونَ الْمُفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، اسْمَعُوا يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ أَنَّ عَدَدَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَ سَمَّاهُمْ وَ نَسَبَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا، ثُمَّ قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَدْ لَعَنَهُمْ وَ لَعَنَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَعَنَهُمُ السَّبْعُونَ رَجُلًا وَ أَمَرَنِي أَنْ أَلْعَنَهُمْ وَ لَعَنَهُمُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ هُوَ يُنَادِي مِلْ‏ءَ صَوْتِهِ: يَا فُلَانُ يَا فُلَانَ الْفُلَانِيِّ: إِنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَكَ لَعْناً كَثِيراً بُقْيَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ لَا يَزُولُ ثُبُوتُهُ وَ لَا يَعْفُو وَ لَا يُصْفَحُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ عَدَدِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَصْحَابِ الدِّبَابِ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ فِي صُعُودِهِمُ الْعَقَبَةَ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَكَانَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ وَ أَصْحَابِ الدِّبَابِ..

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ الْحُسَيْنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) قَالَ لَمَّا لَقِيَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ بِرِسَالَةِ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: يَا جَابِرُ كُنْتَ شَاهَدْتَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَوْمَ الْغَارِ؟ قَالَ جَابِرٌ لَا يَا ابْنَ بِنْتِ‏

الهداية الكبرى، ص: 83

رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: إِذَنْ أُحَدِّثُكَ يَا جَابِرُ، قَالَ جَابِرٌ: حَدِّثْنِي فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي، فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ جَدِّكَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) [قَالَ ع‏]: لَمَّا هَرَبَ إِلَى الْغَارِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حِينَ كَبَسُوا دَارَهُ لِقَتْلِهِ قال [قَالُوا]: اقْصِدُوا فِرَاشَهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): يَا أَخِي إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَكْبِسُونِّي فِي دَارِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي فِرَاشِي فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ يَا عَلِيُّ.

قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا أَضْطَجِعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي فِرَاشِكَ وَ تَكُونُ خَدِيجَةُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الدَّارِ، وَ اخْرُجْ وَ اصْحَبِ اللَّهَ حَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): فَدَيْتُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَخْرِجْ لِي نَاقَتِيَ الْعَضْبَاءَ حَتَّى أَرْكَبَ عَلَيْهَا وَ أَخْرُجَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هَارِباً مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ افْعَلْ بِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَ اللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ وَ عَلَى خَدِيجَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) رَاكِباً نَاقَتَهُ الْعَضْبَاءَ وَ سَارَ وَ تَلَقَّاهُ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَصْحَبَكَ فِي مَسِيرِكَ وَ فِي الْغَارِ الَّذِي تَدْخُلُهُ وَ أَرْجِعَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ تُنِيخَ نَاقَتَكَ بِبَابِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).

فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصْحَبُكَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أُرِيدُ أَنْ لَا يَشْعُرَ بِي أَحَدٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْشَى أَنْ يَسْتَحْلِفَنِي الْمُشْرِكُونَ عَلَى لِقَائِي إِيَّاكَ وَ لَا أَجِدَ بُدّاً مِنْ صِدْقِهِمْ فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَ كُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: كُنْتُ أَفْعَلُ لِئَلَّا أَكْذِبَ وَ أُقْتَلَ، فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَمَا صُحْبَتُكَ إِيَّايَ بِنَافِعَتِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوبَكْرٍ وَ لَكِنَّكَ تَسْتَغِشُّنِي وَ تَخْشَى أَنْ أُنْذِرَ بِكَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سِرْ إِذَا شِئْتَ فَتَلَقَّاهُ الْغَارَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ نَاقَتِهِ وَ أَبْرَكَهَا بِبَابِ الْغَارِ وَ دَخَلَ وَ مَعَهُ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ أَبُو بَكْرٍ، وَ قَامَتْ خَدِيجَةُ فِي جَانِبِ الدَّارِ بَاكِيَةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ اضْطَجَعَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ يَقِيهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 84

بِنَفْسِهِ، وَ وَافَى الْمُشْرِكُونَ الدَّارَ لَيْلًا فَتَسَاوَرُوا عَلَيْهَا وَ دَخَلُوهَا وَ قَصَدُوا إِلَى الْفِرَاشِ فَوَجَدُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مُضْطَجِعاً فِيهِ، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَيْهِ وَ قَالُوا: يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَمْ يَنْفَعْكَ سِحْرُكَ وَ لَا خِدْمَةُ الْجِنِّ لَكَ الْيَوْمَ نَسْقِي أَسْلِحَتَنَا مِنْ دَمِكَ.

فَنَهَضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، وَ جَلَسَ فِي الدَّارِ وَ قَالَ: يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالُوا لَهُ: وَ أَيْنَ مُحَمَّدٌ يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ، قَالُوا: فَمَنْ فِي الدَّارِ؟

قَالَ مَا فِيهَا إِلَّا خَدِيجَةُ، قَالُوا: الْحَسِيبَةُ النَّسِيبَةُ لَوْ لَا تَبَعُّلُهَا بِمُحَمَّدٍ يَا عَلِيُّ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ لَا حُرْمَةُ أَبِيكَ وَ عِظَمُ مَحَلِّهِ فِي قُرَيْشٍ لَأَعْمَلْنَا أَسْيَافَنَا فِيكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِىِ‏ء النَّسَمَةِ مَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى، وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُفْنِيَ جَمْعَكُمْ لَكُنْتُمْ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ فَرَاشِ السِّرَاجِ فَلَا شَيْ‏ءَ أَضْعَفُ مِنْهُ.

فَتَضَاحَكَ الْمُشْرِكُونَ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: خَلُّوا عَلِيّاً لِحُرْمَةِ أَبِيهِ وَ اقْصِدُوا الطَّلَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فِي الْغَارِ وَ هُوَ وَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ثُمَّ كَشَفَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَرَأَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَ رَأَى سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ‏ وَ هُوَ الْأَمَانُ مِمَّا خَشِيَهُ عَلَى عَلِيٍّ وَ خَدِيجَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ ثانِيَ اثْنَيْنِ‏ يُرِيدُ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ رَسُولَ اللَّهِ‏ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ وَ لَوْ كَانَ الَّذِي حَزِنَ أَبُوبَكْرٍ لَكَانَ أَحَقَّ بِالْأَمْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ لَمْ يَحْزَنْ.

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي‏

الهداية الكبرى، ص: 85

أَرَى عَلِيّاً وَ خَدِيجَةَ وَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ خِطَابَهُمْ لَهُ وَ سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مَنْ مَعَهُ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ وَ أَرَى الرَّهْطَ مِنَ الْأَنْصَارِ مُجْلِبِينَ فِي الْمَدِينَةِ، قَالَ أَبُوبَكْرٍ: وَ تَرَاهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَ أَنْتَ فِي الْغَارِ، وَ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ، وَ مَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ مِنْ بُعْدِ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِنِّي أُرِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا رَأَيْتُ حَتَّى تُصَدِّقَنِي وَ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى سَفِينَةِ جَعْفَرٍ، كَيْفَ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ، فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْكُلِّ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَ عَلِيٍّ عَلَى الْفِرَاشِ وَ خِطَابِهِ لَهُمْ، وَ خَدِيجَةُ فِي جَانِبِ الدَّارِ، فَفَزِعَ وَ رَعُبَ وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا طَاقَةَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَى مَا رَأَيْتُهُ فَرُدَّ عَلَيَّ غِطَائِي فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى بَصَرِهِ فَحُجِبَ عَمَّا رَآهُ وَ أَخَذَتْهُ رَهْقَةٌ، شَدِيدَةٌ حَتَّى أَحْدَثَ اثْنَيْ عَشْرَةَ حَفِيرَةً.

وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْغَارِ صَدْعٌ وَ ثُلْمَةٌ يَدْخُلُ مِنْهَا ضِيَاءُ النَّهَارِ، فَوَضَعَ أَبُوبَكْرٍ كَعْبَهُ فِيهِ لِسَدِّهِ فَنَهَشَتْهُ أَفْعَى فِي عَقِبِهِ وَ لَمْ تَسُمَّهُ فَفَزِعَ وَ أَحْدَثَ فِي الْحُفْرَةِ، وَ لَيْسَ هَذَا صَحِيحاً بَلِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي الْأَحْدَاثِ.

وَ قَصَدَ الْمُشْرِكُونَ فِي الطَّلَبِ لِيَقِفُوا أَثَرَهُ حَتَّى جَاؤُوا إِلَى بَابِ الْغَارِ وَ نَظَرُوا إِلَى مَبْرَكِ النَّاقَةِ وَ لَمْ يَرَوْهَا، وَ قَالُوا: هَذَا أَثَرُ نَاقَةِ مُحَمَّدٍ وَ مَبْرَكُهَا فِي بَابِ الْغَارِ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا عَلَى بَابِ الْغَارِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ قَدْ أَظَلَّهُ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَكُمْ مَا تَرَوْنَ إِلَى نَسْجِ هَذَا الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِ الْغَارِ فَكَيْفَ دَخَلَهُ مُحَمَّدٌ؟ فَصَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَ رَجَعُوا وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مِنَ الْغَارِ وَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَحَدَّثَ الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُمْ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِسِحْرِ مُحَمَّدٍ وَ قِصَصٍ يَطُولُ شَرْحُهَا. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ هَكَذَا وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَدَّثَنِي جَدُّكَ مَا زَادَ حَرْفاً وَ لَا نَقَصَ حَرْفاً..

28- وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْفَوَارِسِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ حُمْدُونٍ الْعَدَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مِهْرَانَ الْبَصْرِيُّ،

الهداية الكبرى، ص: 86

عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْقُدْسِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) خَيْبَرَ أَصَابُوا أَوَانِيَ مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ وَ أَزْوَاجاً مِنْ خِفَافٍ وَ نِعَالًا وَ حِمَاراً أَقْمَرَ فَلَمَّا رَكِبَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَالَ لَهُ: يَا حِمَارُ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَتِيقُ بْنُ شِهَابِ بْنِ حَنِيفَةَ، قَالَ: لِمَنْ كُنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ يَهُودِيٍّ، يُقَالُ لَهُ مَرْحَبٌ وَ كُنْتَ إِذَا ذُكِرْتَ يَسُبُّكَ، وَ كُنْتُ إِذَا رَكِبَنِي كَبَوْتُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَ كَانَ يُسِي‏ءُ إِلَيَّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَلْ لَكَ مِنْ إِرْبٍ وَ حَاجَةٍ تُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ مِنَ الْإِنَاثِ شَيْئاً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أَجْدَادِهِ أَنَّهُ رَكِبَ نَسْلَنَا سَبْعُونَ نَبِيّاً وَ أَنَّ آخِرَ نَسْلِنَا يَرْكَبُهُ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آخِرَ نَسْلٍ فَمَكَثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مَكَثَ الْحِمَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَ تَوَحَّلَ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ.

29- وَ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ الْقَصِيرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقُمِّيِّ عَنْ شَاذَانَ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ مَاهَانَ الْأُبُلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ قَالَ: حَجَجْنَا فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ وَ بِهَا سَيِّدُنَا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) دَخَلْنَا عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ صُحُفاً فِيهَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَ هُوَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَ يُطْعِمُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ لِي هَاكَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ سِنَانٍ هَذَا التَّمْرَ الصَّيْحَانِيَّ، كُلَّهُ وَ تَبَكَّرْ بِهِ فَإِنَّهُ يَشْفِي شِيعَتَنَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِذَا عَرَفُوهُ، قُلْتُ: مَوْلَايَ عَرَفُوهُ بِمَا ذَا؟ يُدْعَى صَيْحَانِيّاً، قَالَ: عِنْدَ الْعَامَّةِ هَفْوَةً وَ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى التَّمْرَ بِاسْمٍ غَيْرِ هَذَا الْكَلَامِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ، قُلْتُ: لَا وَ اللَّهِ يَا مَوْلَايَ مَا نَعْلَمُ هَذَا إِلَّا مِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ، يَا ابْنَ سِنَانٍ هُوَ مِنْ دَلَائِلِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ: مَوْلَايَ أَنْعِمْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ.

قَالَ خَرَجَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَابِضاً عَلَى يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ حَدَائِقِ ظَهْرِ الْمَدِينَةِ فَكُلُّ مَنْ لَقِيَهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي‏

الهداية الكبرى، ص: 87

صُحْبَتِهِ، وَ لَمْ يُؤْذِنْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَوَّلِ نَخْلَةٍ فَصَاحَتْ إِلَى الَّتِي تَلِيهَا هَذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا نُوحٌ وَ سَامٌ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا يَعْقُوبُ وَ يُوسُفُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا مُوسَى وَ يُوشَعُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا سُلَيْمَانُ وَ آصَفُ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا عِيسَى وَ شَمْعُونُ الصَّفَا قَدْ أَقْبَلَا وَ صَاحَتِ الْأُخْرَى إِلَى الَّتِي تَلِيهَا: يَا أُخْتِي هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَا، وَ صَاحَ سَائِرُ النَّخْلِ فِي الْحَدَائِقِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ بِهَذَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَدَيْتُكَ بِأَبِي وَ أُمِّي يَا أَبَا الْحَسَنِ هَذَا ذِكْرَى لَنَا فَاجْلِسْ بِنَا عِنْدَ أَوَّلِ نَخْلَةٍ نَنْتَهِي إِلَيْهَا فَلَمَّا انْتَهَيَا جَلَسَا وَ مَا كَانَ أَوَانُ حَمْلِ النَّخْلِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَبَا الْحَسَنِ مُرْ هَذِهِ النَّخْلَةَ تَنْثَنِي إِلَيْكَ وَ كَانَتِ النَّخْلَةُ بَاسِقَةً فَدَعَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامَ) وَ قَالَ: يَا أَيَّتُهَا النَّخْلَةُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَقُولُ لَكَ أَنْ تَنْثَنِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَانْثَنَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَ هِيَ مَمْلُوءَةٌ حَمْلًا رُطَباً جَنِيّاً، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ:

الْتَقِطْ وَ كُلْ وَ أَطْعِمْنِي فَالْتَقَطَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ رُطَبِهَا وَ أَكَلَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ هَذَا النَّخْلَ يَنْبَغِي أَنْ نُسَمِّيَهُ صَيْحَانِيّاً لِتَصَايُحِهِ وَ تَشْبِيهِهِ لِي وَ لَكَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ هَذَا أَخِي جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) جَعَلَهُ شِفَاءً إِلَى شِيعَتِنَا خَاصَّةً فَأَمَرَهُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ بِمَعْرِفَتِهِ أَنْ يَسْتَضِيئُوا وَ يَتَبَرَّكُوا بِأَكْلِهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا نَخْلَةُ أَظْهِرِي لَنَا مِنْ أَجْنَاس ثَمَرِ الْأَرْضِ فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حُبّاً وَ كَرَامَةً فَأَظْهَرَتِ النَّخْلَةُ مِنْ كُلِّ الْأَجْنَاسِ، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ:

الهداية الكبرى، ص: 88

هَا يَا نَخْلَةُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكِ أَنْ تُخْرِجِي مِنْ كُلِّ جِنْسٍ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ وَ أَخِيهِ وَ وَصِيِّهِ مِنْ أَجْنَاسِ الثَّمَرِ، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَلْقِطُهُ وَ يَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَكَلَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، فَمَرَّةً يَأْكُلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نِصْفَهَا وَ رَسُولُ اللَّهِ نِصْفَهَا وَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي مِمَّنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَأَسْتَشْفِي اللَّهَ وَ أَتَبَرَّكُ بِفَضْلِ سُؤْرِكَ، وَ سُؤْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) يَا حَبِيبِي جِبْرِيلُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَكَ عَلَيْنَا فَقَالَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَضْلِي إِلَّا بِكُمَا، إِنَّكُمَا أَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْهُ وَ أَزْلَفُهُمْ لَدَيْهِ.

قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) فَارْتَفَعَتِ النَّخْلَةُ وَ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شِيعَتَنَا بِخَبَرِهَا.

و قصة تلك النخلة من دلائله و عجائبه (عليه السلام و التحية و الإكرام).

الهداية الكبرى، ص: 89

الباب الثاني بَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)

الهداية الكبرى، ص: 91

مَضَى عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَهُ ثَلَاثٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً، فِي عَامِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْهِجْرَةِ، وَ كَانَ مُقَامُهُ بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ثَلَاثاً وَ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي ظُهُورِ الرِّسَالَةِ، وَ أَقَامَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ قُبِضَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَقَامَ بَعْدَهُ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَ شُهُوراً، وَ أَيَّامَ عُمَرَ تِسْعَ سِنِينَ وَ شُهُوراً، وَ أَيَّامَ عُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَ أَيَّامُهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سِتُّ سِنِينَ، الْجَمِيعُ ثَلَاثُونَ سَنَةً.

وَ مَضَى بِضَرْبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيِّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.

وَ كَانَ اسْمُهُ عَلِيّاً وَ فِي الْقُرْآنِ مُبِيناً، وَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ وَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِجَابَةً لِإِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وَ وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا وَ قَوْلُهُ: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ‏ وَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ثَلَثُمِائَةِ اسْمٍ.

وَ رُوِيَتِ الْأَسَانِيدُ الصَّحِيحَةُ وَ وُجِدَتْ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

الهداية الكبرى، ص: 92

(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الذَّيِ‏

قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ غَضّاً طَرِيّاً كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلْيَسْمَعْهُ مِنْ فَمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَ بِهَذَا كَانَ يَدْعُوهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَبِيهِ.

، فَفِي قِرَاءَتِهِ: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏، ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً بَيَانَهُ*[3]، وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وَ الْمُنْذِرُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ الْهَادِي عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ‏ وَ الشَّاهِدُ مِنْهُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏

وَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِعَلِيِّ بْنِ دَرَّاعٍ الْأَسَدِيِّ وَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَ هُوَ مُحْتَبٍ فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ أَرِقْتَ مَدَى لَيْلَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرَقِي؟ فَقَالَ: ذَكَرْتَنِي وَ اللَّهِ فِي أَرَقِكَ، فَإِنْ شِئْتَ ذَكَرْتُكَ وَ أَخْبَرْتُكَ بِهِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ دَرَّاعٍ: أَنْعِمْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: ذَكَرْتَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ قَوْلَ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ): عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏ فَأَرَقُكَ وَ فِكْرُكَ فِيهِ وَ تَاللَّهِ يَا عَلِيُّ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَأُ إِلَّا بِي، وَ مَا لِلَّهِ نَبَأٌ هُوَ أَعْظَمُ مِنِّي، وَ لِي ثَلَاثُمِائَةِ اسْمٍ، لَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ بِهَا لِئَلَّا يَكْبُرَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِفَضْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) عَلَى رَسُولِهِ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ..

اسْمُهُ فِي صُحُفِ شَيْثٍ وَ إِدْرِيسَ وَ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ بِالسُّرْيَانِيِّ: مُبِينٌ،

______________________________
(1). لا يخفى ان المتفق عليه بين المسلمين ان القرآن هو هذا الذي بين الدفتين لم يزد فيه و لم يغير شي‏ء، و إن اختلاف القراءات في بعض الموارد، و وجود قراءة خاصة لاحد القراء لا يعني اختلاف نسخ القرآن، فالقرآن واحد.

الهداية الكبرى، ص: 93

وَ بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ الهيولى، وَ الْأَمِينُ، وَ الثَّبَاتُ، وَ الْبَيَانُ، وَ الْيَقِينُ، وَ الْإِيمَانُ، وَ فِي التَّوْرَاةِ: إليا، وَ فِي الزَّبُورِ: إريا، وَ بِلُغَةِ الزَّنْجِ: جينا، وَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: تبريك، وَ سمي يوم القليب- و قد سقط عثمان في البدء من دابته الهلالية فعلق أمير المؤمنين برجله و أخرجه فسمته- ميمونا، و بلسان الأرمن: افرقيا، و باللسان العربي: حَيْدَرَة. و سَمَّاهُ أَبُو طَالِبٍ- وَ هُوَ صَغِيرٌ وَ كَانَ يَصْرَعُ أَكَابِرَ إِخْوَتِهِ- ظَهِيراً.

وَ كَنَّاهُ: أَبُو الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ أَبُو شَبَّرَ وَ أَبُو شَبِيرٍ، و أَبُو تُرَابٍ، وَ أَبُو النُّورِ، وَ أَبُو السِّبْطَيْنِ، وَ أَبُو الْأَئِمَّةِ.

وَ أَلْقَابُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ هُوَ اللَّقَبُ الْأَعْظَمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وَحْدَهُ وَ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَ لَا يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ بَعْدَهُ إِلَّا كَانَ مَأْفُوناً فِي عَقْلِهِ وَ مَأْبُوناً فِي ذَاتِهِ، وَ أَمِيرُ النَّحْلِ وَ النَّحْلُ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَ الْوَصِيُّ، وَ الْإِمَامُ، وَ الْخَلِيفَةُ، وَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ، وَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ، وَ الْفَارُوقُ الْأَكْبَرُ، وَ قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، وَ قَاضِي الدَّيْنِ، وَ مُنْجِزُ الْوَعْدِ، وَ الْمِحْنَةُ الْكُبْرَى، وَ صَاحِبُ اللِّوَاءِ، وَ الذَّائِدُ عَنِ الْحَوْضِ، وَ مُهْلِكُ الْجَانِّ، الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، وَ الْأَصْلَعُ الْأَمِينُ، وَ كَاشِفُ الْكَرْبِ، وَ يَعْسُوبُ الدِّينِ، وَ بَابُ حِطَّةٍ، وَ بَابُ الْمَقَامِ، وَ حُجَّةُ الْخِصَامِ، وَ دَابَّةُ الْأَرْضِ، وَ صَاحِبُ الْقَضَايَا، وَ فَاصِلُ الْقَضَاءِ، وَ سَفِينَةُ الْنَّجَاةِ، وَ الْمَنْهَجُ الْوَاضِحُ، وَ الْمَحَجَّةُ الْبَيْضَاءُ، وَ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَ جَزَّارَةُ قُرَيْشٍ، وَ مُفْتِي الْقُرُونِ، وَ مُكِرُّ الْكَرَّاتِ، وَ مُدِيلُ الدَّوْلَاتِ، وَ رَاجِعُ الرَّجْعَاتِ، وَ الْقَرْمُ الْحَدِيدُ، الَّذِي هُوَ فِي اللَّهِ أَبَداً جَدِيدٌ.

وَ أُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ هَاشِمِيُّ ابْنُ هَاشِمِيَّةٍ غَيْرُهُ وَ غَيْرُ إِخْوَتِهِ جَعْفَرٍ وَ طَالِبٍ وَ عَقِيلٍ، وَ ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ ابْنَتَيْهِ زَيْنَبَ وَ أُمِّ كُلْثُومٍ (عليهم السلام)، و مشهده في الذكوات البيض بالغريّين غربي الكوفة.

و في مشهده خبر

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ‏

الهداية الكبرى، ص: 94

صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْإِمَامِ التَّاسِعِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ الرِّضَا وَ مُوسَى الْكَاظِمِ وَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أَنَّ الصَّادِقَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ لِشِيعَتِهِ بِالْكُوفَةِ، وَ قَدْ سَأَلُوهُ عَنْ فَضْلِ الْغَرِيَّيْنِ وَ الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ لِمَ سُمِّيَ الْغَرِيَّانِ غَرِيَّيْنِ فَقَالَ: إِنَّ الْجَبَّارَ الْمَعْرُوفَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، كَانَ يَقْتُلُ أَكَابِرَ الْعَرَبِ وَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ جَبَابِرَتِهِمْ وَ كُبَرَائِهِمْ وَ كَانَ الْغَرِيَّانِ عَلَى يَمِينِ الْجَادَّةِ فَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا أَمَرَ بِحَمْلِ دَمِهِ إِلَى جَادَّةِ الْعَلَمَيْنِ حَتَّى يُغَرِّيَانِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ يَشْهَدُهُ الْمَقْتُولُ إِذَا رَأَى دَمَهُ عَلَى الْعَلَمَيْنِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ الْغَرِيَّانِ.

وَ أَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا قَبْرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَإِنَّ نُوحاً (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) لَمَّا طَافَتِ السَّفِينَةُ وَ هَبَطَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى نُوحٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْزِلَ مَا بَيْنَ السَّفِينَةِ وَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ قَدَمَاكَ عَلَى الْأَرْضِ فَابْحَثْ بِيَدِكَ هُنَاكَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ تَابُوتُ آدَمَ فَاحْمِلْهُ مَعَكَ فِي السَّفِينَةِ فَإِذَا غَاصَ فَابْحَثْ بِيَدِكَ الْمَاءَ فَادْفِنْهُ بِظَهْرِ النَّجَفِ بَيْنَ الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ وَ الْكُوفَةِ فَإِنَّهَا بُقْعَةٌ اخْتَرْتُهَا لَهُ وَ لَكَ يَا نُوحُ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَصِيِّ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَفَعَلَ نُوحٌ ذَلِكَ وَ وَصَّى ابْنَهُ سَاماً أَنْ يَدْفِنَهُ فِي الْبُقْعَةِ مَعَ التَّابُوتِ الَّذِي لآِدَمَ، فَإِذَا زُرْتُمْ مَشْهَدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَزُورُوا آدَمَ وَ نُوحاً وَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ).

وُلِدَ لَهُ مِنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) الْحَسَنُ، وَ الْحُسَيْنُ، و مُحَسِّنٌ- مَاتَ صَغِيراً- وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ (عليهم السلام).

وَ كَانَ لَهُ مِنْ خَوْلَةَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو هَاشِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ.

وَ كَانَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ الْعَبَّاسُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُثْمَانُ مِنْ أُمِّ الْبَنِينَ وَ هِيَ جَعْدَةُ ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ الْكِلَابِيَّةِ.

الهداية الكبرى، ص: 95

وَ كَانَ لَهُ مِنْ أُمِّ عُمَرَ التَّغْلَبِيَّةِ عُمَرُ وَ رُقَيَّةُ وَ هِيَ مِنْ سَبْيِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

وَ كَانَ لَهُ يَحْيَى مِنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ.

وَ كَانَ لَهُ مُحَمَّدٌ الْأَصْغَرُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ.

وَ كَانَ لَهُ الْحَسَنُ وَ رَمْلَةُ وَ أُمُّهُمَا أُمُّ شُعَيْبٍ الْمَخْزُومِيَّةُ.

وَ كَانَ لَهُ أَبُوبَكْرٍ وَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ أُمُّهُمَا لَيْلَى ابْنَةُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيَّةِ وَ الَّذِي أُعْقِبَ مِنْ وُلْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عليهما السلام) وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَ الْعَبَّاسُ وَ عُمَرُ.

قَالَ: وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ خَلَّفَ مِنْهُنَّ أُمَامَةَ ابْنَةَ زَيْنَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وَ لَيْلَى التَّمِيمِيَّةَ وَ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَ أُمَّ الْبَنِينِ الْكِلَابِيَّةَ، وَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَداً، وَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَزَوَّجَ أَوْ تَمَتَّعَ بِحُرَّةٍ وَ لَا أَمَةٍ فِي حَيَاةِ خَدِيجَةَ (عليها السلام) إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَ كَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَ لَا تَمَتَّعَ بِحُرَّةٍ وَ لَا أَمَةٍ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهَا وَ كَانَ اسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدَ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.

وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نُبُوَّةٍ وَ رِسَالَةٍ وَ إِمَامَةٍ، وَ إِنَّهُ لَا تَقْبَلُنَا عِنْدَ وِلَادَتِنَا الْقَوَابِلُ».

. وَ إِنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَوَلَّى وِلَادَتَهُ وَ وَفَاتَهُ وَ تَغْمِيضَهُ وَ تَغْسِيلَهُ وَ تَكْفِينَهُ وَ دَفْنَهُ وَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِمَامُ. وَ الَّذِي تَوَلَّى وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلِيٌّ (عليه السلام) غمّضه و غسله و كفّنه و صلّى عليه و تولى أمره أمير المؤمنين (عليه السلام) و ولداه الحسن و الحسين (عليهما السلام) تولّيا وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) و تغميضه و غسله و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه و لم يحضره أحد غيرهما، و دفناه ليلا، و لم يظهر على مشهده أحد إلا بدلالة صفوان‏

الهداية الكبرى، ص: 96

الجمال، و كان جمال الصادق (عليه السلام). ثم دلت عليه الأئمة من موسى بن جعفر و علي الرضا و محمد الجواد و علي الهادي و الحسن العسكري و رواه شيعتهم و كان دلالة صفوان على مشهد أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) دلالة ظهرت للناس.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْقُمِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْخِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ الْأَهْوَازِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ الْمُفَضَّلُ: دَعَانِي سَيِّدِيَ الصَّادِقُ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ وَ هُوَ مُقْتَمٌّ أَسْوَدُ فَحَضَرْتُ دَارَهُ وَ هِيَ تَزْهَرُ نُوراً بِلَا ظُلْمَةٍ فَلَمَّا امْتَثَلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ يَا مُفَضَّلُ: مُرْ صَفْوَاناً يُصْلِحْ لِي عَلَى نَاقَتِيَ السَّعْدَاءِ رَحْلَهَا وَ أَقِمْ فِي الْبَابِ إِلَى وَقْتِ رُجُوعِي إِلَيْكَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ مَوْلَايَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَدْ أَحْضَرَ صَفْوَانُ النَّاقَةَ وَ أَصْلَحَ رَحْلَهَا فَاسْتَوَى عَلَيْهَا وَ أَثَارَهَا ثُمَّ قَالَ يَا صَفْوَانُ: خُذْ بِحِقَابِ النَّاقَةِ وَ ارْتَدِفْ، قَالَ: فَفَعَلَ صَفْوَانُ ذَلِكَ وَ مَرَّتِ النَّاقَةُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ أَوْ كَاللَّحْظِ السَّرِيعِ وَ جَلَسْتُ بِالْبَابِ حَتَّى مَضَى مِنَ اللَّيْلِ سَبْعُ سَاعَاتٍ مِنْ وَقْتِ رُكُوبِ سَيِّدِيَ الصَّادِقِ مِنْهُ السَّلَامُ.

قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَرَأَيْتُ النَّاقَةَ وَ هِيَ كَجَنَاحِ الطَّيْرِ وَ قَدِ انْقَضَّتْ إِلَى الْبَابِ، وَ نَزَلَ عَنْهَا مَوْلَايَ مِنْهُ السَّلَامُ فَانْقَلَبَ صَفْوَانُ إِلَى الْأَرْضِ خَافِتاً فَأَمْهَلْتُهُ وَ أَقْبَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النَّاقَةِ، وَ هِيَ تَخْفِقُ وَ الْعَرَقُ يَجْرِي مِنْهَا حَتَّى ثَابَ صَفْوَانُ فَقُلْتُ: خُذْ نَاقَتَكَ إِلَيْكَ وَ عَدَلَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مُغِيثٌ خَادِمُ مَوْلَايَ الصَّادِقِ، فَقَالَ سَلْ يَا مُفَضَّلُ صَفْوَاناً عَمَّا رَأَى، وَ يَا صَفْوَانُ حَدِّثْهُ وَ لَا تَكْتُمْهُ. قَالَ: فَجَلَسَ صَفْوَانُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَ قَالَ: يَا مُفَضَّلُ أُخْبِرُكَ بِالَّذِي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فَقَدْ أَذِنَ لِي مَوْلَايَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَرَنِي سَيِّدِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَارْتَدَفْتُ عَلَى النَّاقَةِ، وَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَا فِي سَمَاءٍ أَمْ فِي أَرْضٍ غَيْرَ أَنِّي احُسُّ فِي النَّاقَةِ وَ هِيَ كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الْمُنْقَضُّ حَتَّى أَنَاخَتْ وَ نَزَلَ مَوْلَايَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ نَزَلْتُ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ قَالَ: يَا صَفْوَانُ صَلِّ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ فِي‏

الهداية الكبرى، ص: 97

بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَ ارْتَدَفْتُ، وَ هَبَّتِ النَّاقَةُ كَهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، ثُمَّ انْقَضَّتْ فَأَنَاخَتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ:

صَلِّ يَا صَفْوَانُ رَكْعَتَيْنِ وَ اعْلَمْ أَنَّكَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ وَ سَارَتِ النَّاقَةُ وَ هَبَطَتْ فَأَنَاخَتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ عَنْهَا وَ نَزَلْتُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

ثُمَّ قَالَ: صَلِّ يَا صَفْوَانُ وَ اعْلَمْ بِأَنَّكَ بَيْنَ قَبْرِ جَدِّي (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مِنْبَرِهِ قَالَ: فَصَلَّيْتُ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ ارْتَدِفْ مِنْ وَرَائِي فَارْتَدَفْتُ فَسَارَتْ مِثْلَ سَيْرِهَا وَ انْقَضَّتْ فَنَزَلَ مَوْلَايَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ صَلَّى وَ صَلَّيْتُ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ أَنْتَ عَلَى جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ وَ انْقَضَّتْ فَنَزَلَ عَنْهَا، وَ نَزَلْتُ فَإِذَا هُوَ يَجْهَشُ بِالْبُكَاءِ وَ يَقُولُ: جَلَلْتَ مِنْ مَقَامٍ مَا أَعْظَمَكَ، وَ مَصْرَعٍ مَا أَجَلَّكَ، أَنْتَ وَ اللَّهِ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ وَ الرَّبْوَةُ ذَاتُ‏ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏، وَ فِيكَ وَ اللَّهِ كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَا أَطْوَلَ حُزْنَنَا بِمُصَابِنَا فِيكَ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ اللَّهُ بِحَقِّنَا قَالَ: وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ عَنِّي ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ صَلَّيْتُ وَ أَنَا أَبْكِي وَ أُخْفِي بُكَائِي ثُمَّ رَكِبَ وَ ارْتَدَفْتُ فَنَزَلَ عَنْ قَرِيبٍ لَنَا وَ صَلَّى وَ صَلَّيْتُ قَالَ: يَا صَفْوَانُ هَلْ تَعْلَمُ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ عَرِّفْنِي حَتَّى أَعْرِفَ، قَالَ: أَنْتَ بِالْغَرِيَّيْنِ فِي الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

قَالَ: فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ فَاجْعَلْ لِي إِلَيْهَا دَلِيلًا، قَالَ: وَيْحَكَ بِعَهْدِي أَوْ بَعْدِي، قَالَ فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ بِعَهْدِكَ وَ بَعْدَكَ قَالَ عَلَى أَنَّكَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا وَ لَا تَزُورُهَا إِلَّا بِأَمْرِي قَالَ: فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ إِنِّي لَا أَدُلُّ عَلَيْهَا وَ لَا أَزُورُهَا إِلَّا بِأَمْرِكَ، قَالَ خُذْ يَا صَفْوَانُ مِنَ الشَّعِيرِ الَّذِي تَزَوَّدْتَهُ النَّاقَةَ فَانْثُرْ مِنْهُ حَبّاً إِلَى مَسْجِدِ السَّهْلَةِ وَ بَكِّرْ عَلَيْهِ تَسْتَدِلُّ وَ تَعْرِفُ الْبُقْعَةَ بِعَيْنِهَا وَ زُرْهَا إِذَا شِئْتَ، وَ لَا تُظْهِرْهَا لِأَحَدٍ إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِهِ وَ مَنْ يَتْلُونِي مِنَ الْأَئِمَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ مَهْدِيِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ثُمَّ يَكُونُ‏

الهداية الكبرى، ص: 98

الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ وَ يَظْهَرُ فِيهَا مَا يَشَاءُ حَتَّى تَكُونَ مَعْقِلًا لِشِيعَتِنَا وَ تَضَرُّعاً إِلَى اللَّهِ وَ وَسِيلَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الْمُفَضَّلُ: فَظَلْتُ بَاقِيَ لَيْلَتِي رَاكِعاً وَ سَاجِداً أَسْأَلُ اللَّهَ بَقَائِي إِلَى صَبَاحِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ دَخَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ مِنْهُ السَّلَامُ فَقُلْتُ أُرِيدُ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ وَ السَّعْيَ إِلَى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي بَيْنَ الذَّكَوَاتِ الْبِيضِ فِي الْغَرِيَّيْنِ قَالَ: امْضِ وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا مُفَضَّلُ وَ صَفْوَانُ مَعَكَ قَالَ الْمُفَضَّلُ:

فَأَخَذَ بِيَدِي وَ قَصَدْتُ مَسْجِدَ السَّهْلَةِ، ثُمَّ اسْتَدْلَلْنَا بِالْحَبَّاتِ الشَّعِيرِ الْمَنْثُورَةِ حَتَّى وَرَدْنَا الْبُقْعَةَ فَلُذْنَا بِهَا وَ زُرْنَا وَ صَلَّيْنَا وَ رَجَعْنَا وَ أَنْفُسُنَا مَرِيضَةٌ خَوْفاً مِنْ أَنْ لَا نَكُونَ وَرَدْنَا الْبُقْعَةَ بِعَيْنِهَا، قَالَ: وَ دَخَلْنَا مِنْ مَزَارِنَا مِنْهَا إِلَى مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَوَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا مُفَضَّلُ وَ يَا صَفْوَانُ مَا خَرَجْتُمَا عَنِ الْبُقْعَةِ عَقْداً وَاحِداً وَ لَا نَقَصْتُمَا عَنْهَا قَدَماً فَقُلْنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَكَ يَا مَوْلَايَ وَ شُكْراً لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَ قَرَأَ: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً وَ قَوْلُهُ: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏.

وَ رُوِيَ بِهَذِهِ الْإِسْنَادِ عَنِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ أَبِيهِ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: دَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، وَ أَبُوذَرٍّ جُنْدَبٌ الْغِفَارِيُّ، وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرٌ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ الْحُزْنُ ظَاهِرٌ فِي وُجُوهِهِمْ فَقَالُوا لَهُ فَدَيْنَاكَ بِالْآبَاءِ وَ الْأُمَّهَاتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْمَعُ فِي أَخِيكَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَا يَحْزُنُنَا سَمَاعُهُ وَ إِنَّا نَسْتَأْذِنُكَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَ مَا عَسَاهُمْ يَقُولُونَ فِي أَخِي عَلِيٍّ؟

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَيُّ فَضِيلَةٍ لَهُ فِي سَبْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَ إِنَّمَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ طِفْلًا، وَ نَحْنُ يَحْزُنُنَا هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَذَا يَحْزُنُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ عَلِمْتُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْأُولَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ وَ هُوَ

الهداية الكبرى، ص: 99

طِفْلٌ صَغِيرٌ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ وَ عَدُوِّهِ النُّمْرُودِ فِي عَهْدِهِ فَوَضَعَتْهُ أُمُّهُ بَيْنَ ثَلَاثِ أَشْجَارٍ شَاطِئَ نَهَرٍ يَدْفِقُ يُقَالُ لَهُ حَوْرَانُ وَ هُوَ بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ وَ اسْتَقَرَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَقَامَ مِنْ تَحْتِهَا فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَ وَجْهَهُ وَ سَائِرَ بَدَنِهِ وَ هُوَ يُكْثِرُ مِنَ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ثُمَّ أَخَذَ ثَوْباً فَاتَّشَحَ بِهِ وَ أُمُّهُ تَرَى مَا يَفْعَلُ فَرَعُبَتْ مِنْهُ رُعْباً شَدِيداً فَهَرْوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا مَادّاً عَيْنَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَكَانَ مِنْهُ مَا قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي‏ وَ قِصَّةُ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ إِلَى قَوْلِهِ: وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ وَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِهِ يَبْقُرُ بُطُونَ النِّسَاءِ الْحَوَامِلِ وَ يَذْبَحُ الْأَطْفَالَ لِقَتْلِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَلَمَّا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ أَوْحَى إِلَيْهَا أَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْ تَحْتِهَا فَتَقْذِفَهُ وَ تُلْقِيَهِ فِي التَّابُوتِ وَ تَقْذِفَهُ فِي الْيَمِّ فَبَقِيَتْ حَيْرَانَةً حَتَّى كَلَّمَهَا مُوسَى وَ قَالَ لَهَا يَا أُمِّ اقْذِفِينِي فِي التَّابُوتِ فَقَالَتْ لَهُ هِيَ مِنْ كَلَامِهِ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنَ الْغَرَقِ فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي إِنَّ اللَّهَ رَادِّي إِلَيْكِ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَبَقِيَ التَّابُوتُ فِي الْيَمِّ إِلَى أَنْ أَلْقَاهُ إِلَى السَّاحِلِ وَ رُدَّ إِلَى أُمِّهِ وَ هُوَ بُرْهَةً لَا يَطْعَمُ طَعَاماً وَ لَا يَشْرَبُ شَرَاباً مَعْصُوماً وَ رُوِيَ أَنَّ الْمُدَّةَ كَانَتْ سَبْعِينَ يَوْماً وَ رُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ: وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ‏ ... هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ‏ الْآيَةَ.

وَ هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

فَكَلَّمَ أُمَّهُ وَقْتَ مَوْلِدِهِ فَقَالَ لَهَا: فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وَ قَالَ: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي‏

الهداية الكبرى، ص: 100

بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا فَتَكَلَّمَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي وَقْتِ وِلَادَتِهِ وَ أُعْطِيَ الْكِتَابَ وَ النُّبُوَّةَ وَ أُوصِيَ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ فِي سَاعَةِ مَوْلِدِهِ وَ كَلَّمَهُ النَّاسُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ جَمِيعاً خِلْقَتِي وَ أَنَّ عَلِيّاً مِنْ نُورِي وَ نُورِي وَ نُورُهُ نُورٌ وَاحِدٌ وَ كُنَّا كَذَلِكَ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ نُهَلِّلُهُ وَ نُكَبِّرُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَلَائِكَةَ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ الْهَوَاءَ ثُمَّ عَرَّشَ الْعَرْشَ وَ كَتَبَ أَسْمَاءَنَا بِالنُّورِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْكَنَنَا صُلْبَ آدَمَ وَ لَمْ نَزَلْ نَنْتَقِلُ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ يُسْمَعُ تَسْبِيحُنَا فِي الظُّهُورِ وَ الْبُطُونِ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَ عَصْرٍ وَ زَمَانٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ نُوْرُنَا فِي بَلَجَاتِ وُجُوهِ آبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا حَتَّى ثَبَتَتْ أَسْمَاؤُنَا مَخْطُوطَةً بِالنُّورِ عَلَى جَبَهَاتِهِمْ.

فَلَمَّا افْتَرَقْنَا نِصْفَيْنِ: فِي عَبْدِ اللَّهِ نِصْفٌ، وَ فِي أَبِي طَالِبٍ عَمِّي نِصْفٌ كَانَ تَسْبِيحُنَا فِي ظُهُورِهِمَا، فَكَانَ عَمِّي وَ أَبِي إِذَا جَلَسَا فِي مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ نَاجَى نُورِي مِنْ صُلْبِ أَبِي نُورَ عَلِيٍّ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ إِلَى أَنْ خَرَجْنَا مِنْ صُلْبَيْ أَبَوَيْنَا وَ بَطْنَيْ أُمَّيْنَا وَ لَقَدْ عَلِمَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي وَقْتِ وِلَادَةِ عَلِيٍّ وَ هُوَ يَقُولُ: هَذَا أَوَّلُ ظُهُورِ نُبُوَّتِكَ وَ إِعْلَانِ وَحْيِكَ وَ كَشْفِ رِسَالَتِكَ إِذْ أَيَّدَكَ اللَّهُ بِأَخِيكَ وَ وَزِيرِكَ وَ صِنْوِكَ وَ خَلِيفَتِكَ وَ مَنْ شَدَدْتُ بِهِ أَزْرَكَ وَ أَعْلَيْتُ بِهِ ذِكْرَكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُمْتُ مُبَادِراً فَوَجَدْتُ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَسَدٍ أُمِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ قَدْ جَاءَهَا الْمَخَاضُ فَوَجَدْتُهَا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ الْقَوَابِلُ مِنْ حَوْلِهَا فَقَالَ حَبِيبِي جَبْرَائِيلُ: سَجِّفْ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ النِّسَاءِ سِجَافاً، فَإِذَا وَضَعَتْ عَلِيّاً فَتَلَقَّهُ بِيَدِكَ الْيُمْنَى فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ وَ مَدَدْتُ يَدِيَ الْيُمْنَى نَحْوَ أُمِّهِ فَإِذَا بِعَلِيٍّ مَاثِلًا عَلَى يَدَيَّ وَاضِعاً يَدَهُ الْيُمْنَى فِي أُذُنِهِ يُؤَذِّنُ وَ يُقِيمُ بِالْحَنَفِيَّةِ وَ يَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ بِرِسَالَتِي.

ثُمَّ أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ، قُلْتُ: اقْرَأْ وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَأَ بِالصُّحُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ وَ ابْنِهِ شَيْثٍ فَتَلَاهَا مِنْ‏

الهداية الكبرى، ص: 101

أَوَّلِ حَرْفٍ إِلَى آخِرِ حَرْفٍ حَتَّى لَوْ حَضَرَ شَيْثٌ لَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا صُحُفَ نُوحٍ حَتَّى لَوْ حَضَرَ نُوحٌ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَوْ حَضَرَ إِبْرَاهِيمُ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا زَبُورَ دَاوُدَ حَتَّى لَوْ حَضَرَ دَاوُدُ لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا تَوْرَاةَ مُوسَى حَتَّى لَوْ حَضَرَ مُوسَى لَأَقَرَّ أَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ قَرَأَ إِنْجِيلَ عِيسَى حَتَّى لَوْ حَضَرَ عِيسَى لَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَقْرَأُ لَهَا مِنْهُ، ثُمَّ خَاطَبَنِي وَ خَاطَبْتُهُ بِمَا يُخَاطَبُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ عَادَ إِلَى طُفُولِيَّتِهِ.

وَ هَكَذَا سَبِيلُ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً مِنْ وُلْدِهِ يَفْعَلُونَ فِي وِلَادَتِهِمْ مِثْلَهُ.

فَمَا ذَا تُحَدِّثُونَ وَ مَا ذَا عَلَيْكُمْ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الشَّكِّ وَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَفْضَلُ النَّبِيِّينَ، وَ وَصِيِّي عَلِيٌّ أَفْضَلُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَنَّ أَبِي آدَمُ تَمَامُ اسْمِي وَ اسْمِ أَخِي عَلِيٍّ وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مَكْتُوبَةٌ عَلَى سُرَادِقِ الْعَرْشِ بِالنُّورِ، مُنْذُ قَالَ آدَمُ: «إِلَهِي هَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً قَبْلِي هُوَ أَكْرَمُ عَلَيْكَ مِنِّي» قَالَ يَا آدَمُ: «لَوْ لَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَا خَلَقْتُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَ لَا أَرْضاً مَدْحِيَّةً وَ لَا مَلَكاً مُقَرَّباً وَ لَا نَبِيّاً مُرْسَلًا وَ لَا خَلَقْتُكَ يَا آدَمُ» فَقَالَ: إِلَهِي وَ سَيِّدِي بِحَقِّهِمْ إِلَّا غَفَرْتَ لِي خَطِيئَتِي. فَكُنَّا نَحْنُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ، فَغَفَرَ لَهُ وَ قَالَ: أَبْشِرْ يَا آدَمُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ وَ وُلْدِكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ افْتَخَرَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِنَا فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ فَضْلِنَا عِنْدَ اللَّهِ وَ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ لَا يُعْطِي إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى شَيْئاً مِنَ الْفَضْلِ إِلَّا وَ يُعْطِيهِ بِنَا فَمَا ذَا يَضُرُّ بِنَا وَ يَحْزُنُكُمْ قَوْلُ أَهْلِ الْإِفْكِ وَ الْمُسْرِفِينَ.

فَقَامَ سَلْمَانُ وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَ هُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَائِزُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَنْتُمُ الْفَائِزُونَ، وَ اللَّهِ لَكُمْ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ، وَ لِأَعْدَائِنَا وَ أَعْدَائِكُمْ خُلِقَتِ النَّارُ..

فكان هذا من دلائله و براهينه و معاجزه قبل وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أما بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فمن دلائله‏

الهداية الكبرى، ص: 102

و معجزاته.

رُوِيَ بِالْإِسْنَادِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَقِيَهُ فِي سِكَّةِ بَنِي النَّجَّارِ فِي الْمَدِينَةِ، وَ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَسَلَّمَ أَبُوبَكْرٍ عَلَيْهِ وَ صَافَحَهُ وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ عَسَى فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ مِنِ اسْتِخْلَافِ النَّاسِ إِيَّايَ وَ مَا كَانَ فِي السَّقِيفَةِ وَ إِكْرَاهِكَ عَلَى الْبَيْعَةِ، وَ اللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِي إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ أَكُنْ أُخَالِفُ عَلَيْهِ وَ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) قَالَ: (لَنْ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ) فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مِنْهُمُ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ وَ أَطَاعُوا رَسُولَهُ بِعَهْدِهِ وَ بَعْدَهُ وَ أَخَذُوا بِهَدْيِهِ وَ أَوْفَوْا بِ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏، وَ لَمْ يُغَيِّرُوا وَ لَا بَدَّلُوا؟ قَالَ أَبُوبَكْرٍ:

وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، رَضِيَ مَنْ رَضِيَ، وَ سَخِطَ مَنْ سَخِطَ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ السَّلَامُ: بِاللَّهِ يَا أَبَابَكْر هَلْ أَنْتَ بِأَحَدٍ أَوْثَقُ مِنْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَ اللَّهِ، قَالَ لَهُ: فَقَدْ أَخَذَ عَلَيْكَ بَيْعَتِي فِي أَرْبَعِ مَوَاطِنَ، وَ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعَكَ فِيهِمْ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَ يَوْمَ جُلُوسِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَ أَنَا عَنْ يَمِينِهِ أَحْضُرُكَ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ جُنْدَبُ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ حَتَّى امْتَلَأَ مِنْهُمُ الْبَيْتُ وَ حَضَرَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ فَجَلَسَ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَسَلِّمْ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَايِعْ لَهُ فَمَا أَجْزَاكَ إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ مِنِّي فَقُلْتَ أَقُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِكَ وَ أُبَايِعُ عَلِيّاً وَ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقُمْتَ فَبَايَعْتَنِي وَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَمَرَكَ، وَ جَلَسْتَ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَأَعَادَ الْقَوْلَ كَمَا أَعَدْتَهُ أَنْتَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُسَلِّمُ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: نَعَمْ، قُمْ فَبَايِعْهُ، وَ سَلِّمْ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَامَ وَ بَايَعَنِي وَ سَلَّمَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ.

الهداية الكبرى، ص: 103

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قُمْ يَا عُثْمَانُ إِلَى أَخِي عَلِيٍّ وَ سَلِّمْ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا قَامَ حَتَّى قَالَ مِثْلَمَا قُلْتُمَا فَأَعَادَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ثَالِثَةً فَقَامَ فَبَايَعَنِي وَ سَلَّمَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ.

فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قُمْ يَا سَلْمَانُ، قُمْ يَا مِقْدَادُ، قُمْ يَا جُنْدَبُ، قُمْ يَا عَمَّارُ، قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، قُمْ يَا خُزَيْمَةُ، قُمْ يَا أَبَا الْهَيْثَمِ، قُمْ يَا عَامِرُ، قُمْ يَا بُرَيْدَةُ، فَبَايِعُوا لِأَخِي عَلِيٍّ وَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ بِلَا مُرَاجَعَةٍ، فَبَايَعُوا لِي وَ سَلَّمُوا عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَ فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدْ نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَانَ يَوْماً شَدِيدَ الْقَيْظِ يَشِيبُ فِيهِ الطِّفْلُ فَأَشَارَ إِلَى جَمِيعِكُمْ و رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَاسْتَظِلُّوا بِالدَّوْحَاتِ الَّتِي حَوْلَ الْغَدِيرِ، فَلَمَّا قَرُبَ الزَّوَالُ وَقَفَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ أَشَارَ إِلَيْكُمْ أَنِ احْتَطِبُوا وَ خُذُوا مِنَ الدَّوْحَاتِ مَا سَقَطَ وَ أْتُوْنِي بِهِ فَكَبَسَ مَا جَمَعْتُمْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ فَلَمَّا رَأَى لَا يُوفِي الْجَمْعَ أَمَرَ عَلَيْهِ بِالْأَقْتَابِ، فَنَصَبَ بَعْضاً فَوْقَ بَعْضٍ حَتَّى عَلَتِ الْعَسْكَرَ ثُمَّ عَلَاهَا وَ دَعَانِي فَعَلَوْتُ مَعَهُ فَكَانَ مَا سَمِعْتُمُوهُ، وَ هُوَ أَنْ أَخَذَ كَفِّي بِكَفِّهِ الْيُمْنَى وَ قَدْ بَسَطَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ حَتَّى رَأَيْتُمْ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ يُرِيكُمْ شَخْصِي وَ يُعْلِنُ بِأَمْرِي، وَ يَقُولُ مَا أُمِرَ بِهِ.

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: إِنَّمَا تَرَكْنَا إِعَادَةَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ النَّاسِ جَمِيعاً، وَ يَرْجِعُ الْخَبَرُ إِلَى قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ سَمْعاً وَ طَاعَةً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ فَقَالَ لَكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَقَالَ لَكُمْ: فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ لْيُسْمِعْ مَنْ سَمِعَ مِنِّي مَنْ لَمْ يَسْمَعْ فَقُلْتُمْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَ وَ صَلَّى صَلَاةَ الزَّوَالِ، وَ ارْتَفَعَ صَوْتُ الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فِي الْعَسْكَرِ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قُمْتُمْ أَنْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ تُهَنِّئُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ تُهَنِّؤُنِّي‏

الهداية الكبرى، ص: 104

بِكَرَامَةِ اللَّهِ لَنَا، فَدَنَا مِنِّي عُمَرُ فَضَرَبَ عَلَى كَفِّي وَ قَالَ بِحَضْرَتِكُمْ: بَخْ بَخْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلَانَا وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَيْحَكَ يَا أَبَا حَفْصِ أَلَّا دَعَوْتَهُ بِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوَهُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَقُولَ: أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَوْلَانَا وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ؟

فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ اللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي أَمْراً لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَ لَوْ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ شَاهِداً فَأَسْمَعُهُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا أَبَابَكْرٍ، اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، إِنْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) حَيّاً وَ يَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ ظَالِمٌ فِي أَخْذِ حَقِّيَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِي وَ لِرَسُولِهِ دُونَكَ وَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُسَلِّمُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ تَخْلَعُ نَفْسَكَ مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَا لَا يَكُونُ إِلَّا أَنْ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) بَعْدَ مَوْتِهِ حَيّاً يَقُولُ لِي وَ يَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَأَرِنِي ذَلِكَ إِنْ يَكُنْ حَقّاً قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ أَنَّكَ تَفِي بِمَا قُلْتَ، قَالَ أَبُوبَكْرٍ: نَعَمْ فَضَرَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى يَدِهِ وَ مَالَ يَسْعَى بِهِ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا فَلَمَّا وَرَدَاهُ تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُوبَكْرٍ مِنْ وَرَائِهِ فَإِذَا هُمَا بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَالِسٌ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوبَكْرٍ سَقَطَ لِوَجْهِهِ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ فَبَادَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): ارْفَعْ أَيُّهَا الضِّلِّيلُ الْمَفْتُونُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ حَيَاةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى‏ قَالَ: فَسَكَتَ أَبُوبَكْرٍ وَ شَخَصَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ نَسِيتَ مَا عَاهَدْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ عَلَيْكَ فِي الْمَوَاطِنِ الْأَرْبَعِ لِعَلِيٍّ فَمَا بَالُكَ تُنَاشِدُ عَلِيّاً فِيهَا وَ يَذْكُرُكَ فَتَنْسَاهَا، وَ قَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ كَلِمَةً وَ لَا زَادَ فِيهِ كَلِمَةً، إِلَى أَنِ انْتَهَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟

الهداية الكبرى، ص: 105

وَ هَلْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِّي إِذَا سَلَّمْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَبَابَكْرٍ وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ إِنْ وَفَيْتَ.

قَالَ: وَ غَابَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَثَبَتَ أَبُوبَكْرٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَالَ اللَّهَ اللَّهَ سِرْ مَعِي حَتَّى أَعْلُوَ الْمِنْبَرَ فَأَقُصَّ عَلَى النَّاسِ مَا شَاهَدْتُ وَ مَا رَأَيْتُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَا قَالَ لِي، وَ مَا قُلْتُ لَهُ، وَ مَا أَمَرَنِي وَ أَخْلَعَ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَ أُسَلِّمَهُ إِلَيْكَ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَا مَعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ تَرَكَكَ شَيْطَانُكَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَتْرُكْنِي تَرَكْتُهُ وَ عَصَيْتُهُ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: تُطِيعُهُ وَ لَا تَعْصِيهِ، وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا تَأْكِيدَ الْحُجَّةِ عَلَيْكَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَ خَرَجَا مِنْ مَسْجِدِ قُبَا يُرِيدَانِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) وَ الْمِنْبَرَ وَ أَبُوبَكْرٍ يَخْفِقُ بَعْضُهُ بَعْضاً يَتَلَوَّنُ أَلْوَاناً وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يَدْرُونَ بِالَّذِي كَانَ مِنْهُ حَتَّى لَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَأْنُكَ؟

وَ مَا الَّذِي دَهَاكَ؟ فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي يَا عُمَرُ فَوَ اللَّهِ لَا سَمِعْتُ لَكَ قَوْلًا، فَقَالَ: وَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: أُرِيدُ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّهُ لَيْسَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَ لَا مِنْبَرٍ، فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي فَلَا حَاجَةَ لِي فِي كَلَامِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا تَدْخُلُ قَبْلَ الْمَسْجِدِ مَنْزِلَكَ فَتُسْبِغُ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ اجْلِسْ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّ شَيْطَانَكَ لَا يَدَعُكَ وَ يَرُدُّكَ.

وَ سَعَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ جَلَسَ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ وَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ مَنْزِلَهُ وَ عُمَرُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ لَا تُعَرِّفُنِي أَمْرَكَ وَ تُحَدِّثُنِي بِمَا دَهَاكَ؟

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ، رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 106

وَ سَلَّمَ) بَعْدَ مَوْتِهِ وَ خَاطَبَنِي وَ خَاطَبْتُهُ فِي ظُلْمِي لِعَلِيٍّ، وَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَرُدَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ وَ أَخْلَعَ نَفْسِي مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ قُصَّ عَلَيَّ قِصَّتَكَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ إِنَّ عَلِيّاً قَالَ لِي: إِنَّكَ لَا تَدَعُنِي أُخْرِجُ هَذِهِ الْمَظْلِمَةَ مِنْ عُنُقِي، وَ إِنَّكَ شَيْطَانِي فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُحَدِّثُهُ بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ نَسِيتَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا صِيَامُهُ، حَيْثُ جَاءَكَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَ مَعَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ عُثْمَانُ أَخُوهُ وَ نُعَيْمَانُ الْأَنْصَارِيُّ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ إِلَى دَارِكَ لِيَقْضِيَكَ دَيْناً لَهُ عَلَيْكَ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الدَّارِ سَمِعُوا صَلْصَلَةً فِي الدَّارِ فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ الدَّارِ وَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكَ فَسَمِعُوا أُمَّ بَكْرٍ زَوْجَتَكَ تُنَاشِدُكَ، وَ تَقُولُ لَكَ: قَدْ عَمِلَ حَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَقُمْ مِنْ سَوَاءِ الدَّارِ إِلَى دَاخِلِ الْجِدَارِ وَ كُنَّ بِنَفْسِكَ مِنَ الشَّمْسِ، وَ ابْعُدْ مِنَ الْبَابِ ليسمعك [لِئَلَّا يَسْمَعَكَ‏] بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَيُهْدِرَ دَمَكَ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ أَهْدَرَ دَمَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَ لَا مَرَضٍ خِلَافاً عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقُلْتَ لَهَا هَاكِ لَا أُمَّ لَكِ فَضْلَ طَعَامِي فِي اللَّيْلِ وَ أَتْرِعِي لِيَ الْكَأْسَ قَرْقَفاً فَوَقَفَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ مَنْ مَعَهُ يَسْمَعُونَ مُحَاوَرَتَكَ فَجَاءَتْ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ وَ أَخَذْتَ الْقَعْبَ فَكَرَعْتَ مِنْهُ فِي ضُحَى النَّهَارِ وَ جَعَلْتَ تَقُولُ لِزَوْجَتِكَ:

ذَرِينِي أَصْطَبِحْ يَا أُمَّ بَكْرٍ

فَإِنَّ الْمَوْتَ نَقْبٌ عَنْ هِشَامٍ‏

وَ نَقْبٌ عَنْ أَخِيكِ وَ كَانَ صَفْواً

مِنَ الْفِتْيَانِ فِي شُرْبِ الْمُدَامِ‏

تُلَبِّي بِالتَّحِيَّةِ أُمَّ بَكْرٍ

وَ هَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلَامٍ‏

فَكَمْ لَكِ بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ

مِنَ الْأَجْسَامِ تُكْلَمُ بِالسِّهَامِ‏

وَ كَمْ لَكِ بِالطَّوِيِّ طَوِيِّ أُحُدٍ

مِنَ الْحَرَكَاتِ وَ الدُّسُعِ الْعِظَامِ‏

مِنْ أَنْصَارِ الْكَرِيمِ إِلَى عَلِيٍ‏

حَيَا الْكَأْسَ الْكَرِيمَةَ وَ الْمُدَامِ‏

يَقُولُ لَنَا ابْنُ كَبْشَةَ سَوْفَ نُحْيَا

وَ كَيْفَ حَيَاةُ أَشْلَاءٍ وَ هَامٍ‏

يَوَدُّ ابْنُ الْمُغِيرَةِ لَوْ فَدَاهُ‏

بِأَلْفٍ مِنْ سَنَامٍ أَوْ سَوَامٍ‏

أَ أُتْرَكُ أَنْ يَكُفَّ الْمَوْتُ عَنِّي‏

وَ يُحْيِيَنِي إِذَا بَلِيَتْ عِظَامِي‏

 

الهداية الكبرى، ص: 107

 

أَ تَزْعُمُ بَاطِلًا مَا قَالَ هَذَا

وَ إِفْكاً مِنْ زَخَارِيفِ الْكَلَامِ‏

أَ لَا مِنْ مُبْلِغِ الرَّحْمَنِ عَنِّي‏

بِأَنِّي تَارِكٌ شَهْرَ الصِّيَامِ‏

إِذَا مَا الرَّأْسُ فَارَقَ مَنْكِبَيْهِ‏

وَ لَيْسَ بِذَاكَ يُقْطَعُ لِلطَّعَامِ‏

فَقُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي شَرَابِي‏

وَ قُلْ لِلَّهِ يَمْنَعُنِي طَعَامِي‏

فَسَمِعُوكَ تَهْجُو مُحَمَّداً فِي دَارِكَ، فَهَجَمُوا عَلَيْكَ فِي دَارِكَ، فَوَجَدُوكَ وَ قَعْبُ الْخَمْرِ فِي يَدِكَ وَ أَنْتَ تَكْرَعُهَا، فَقَالُوا لَكَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ خَالَفْتَ اللَّهَ وَ خَالَفْتَ رَسُولَهُ وَ حَمَلُوكَ كَهَيْئَتِكَ إِلَى مَجْمَعِ النَّاسِ، بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَصُّوا قِصَّتَكَ، وَ أَعَادُوا شِعْرَكَ، فَدَنَوْتُ مِنْكَ وَ قُلْتُ فِي صَحِيحِ النَّاسِ، عَلَيْكَ قُلْ: إِنَّكَ شَرِبْتَهَا لَيْلًا فَثَمَّلْتَهَا نَهَاراً، فَزَالَ عَقْلُكَ فَأَتَيْتَ مَا أَتَيْتَهُ زِيَاداً، وَ لَا عِلْمَ لَكَ بِذَلِكَ فَعَسَى أَنْ يُدْرَأَ عَنْكَ الْحَدُّ.

وَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ فَنَظَرَ إِلَيْكَ فَقَالَ: اسْتَنْطِقُوهُ فَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ ثَمِلًا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَ الْخَمْرُ تُزِيلُ الْعُقُولَ تَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَ أَنْتُمْ تَشْرَبُونَهَا، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ قَالَ فِيهَا قَائِدُ الشُّعَرَاءِ امْرَؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ:

شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي‏

كَذَاكَ الْإِثْمُ تَذْهَبُ بِالْعُقُولِ‏

فَقَالَ: وَ الْإِثْمُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرَةِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:

أَنْظِرُوهُ إِلَى إِفَاقَتِهِ مِنْ سَكْرَتِهِ، فَأَمْهَلَكَ حَتَّى أَرَيْتَهُمْ أَنَّكَ قَدْ صَحَوْتَ فَسَأَلَكَ مُحَمَّدٌ فَأَخْبَرْتَهُ بِمَا أَوْعَزْتُهُ إِلَيْكَ مِنْ شُرْبِكَ لَهَا بِاللَّيْلِ وَ كَانَتْ حَلَالًا فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ وَ الْمِلَلِ وَ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَجَاءَ تَحْرِيمُهَا مِنْ أَجْلِكَ مِنْ سَبَبِ سَكْرَتِكَ فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ وَ مَا جَاءَ بِهِ، وَ هُوَ عِنْدَنَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ.

فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا حَفْصٍ لَا شَكَّ عِنْدِي فِيمَا قَصَصْتَهُ عَلَيَّ فَاخْرُجْ إِلَى عَلِيٍّ، فَاصْرِفْهُ عَنِ الْمِنْبَرِ.

الهداية الكبرى، ص: 108

فَخَرَجَ عُمَرُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ جَالِسٌ فَقَالَ:

مَا لَكَ يَا عَلِيُّ قَدْ تَصَدَّيْتَ لَهَا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، دُونَ وَ اللَّهِ مَا تَرُومُ مِنْ عُلُوِّ هَذَا الْمِنْبَرِ خَرْطُ الْقَتَادِ. فَتَبَسَّمَ أَمِيُر الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيْلَكَ مِنْهَا كُلَّ الْوَيْلِ يَا عُمَرُ إِذَا أَفْضَتْ إِلَيْكَ، وَ الْوَيْلُ لِلْأُمَّةِ مِنْ بَلَائِكَ.

وَ انْصَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْزِلِهِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَ نُعَيْمَانَ وَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِالْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَ قَصْدِ دَارِهِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فُرِضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِيَامُهُ، وَ أَكْلِ أَبِي بَكْرٍ الطَّعَامَ، وَ شُرْبِهِ الْخَمْرَةَ، وَ شِعْرِهِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنَّةَ عُمَرَ بِتَذْكِيرِهِ لِأَبِي بَكْرٍ فِي نَقْضِهِ الصِّيَامَ وَ أَكْلِهِ الطَّعَامَ وَ شُرْبِهِ الْخَمْرَةَ وَ قَوْلِهِ الشِّعْرَ الَّذِي لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بِرَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ)، اجْتَمَعَتْ تَيْمٌ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ أَبِي بَكْرٍ- وَ عَدِيٌّ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عُمَرَ- وَ أُمَيَّةُ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عُثْمَانَ- وَ زُهْرَةُ- وَ هِيَ قَبِيلَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ- وَ الْكُلُّ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِأَبِي بَكْرٍ ذَنْبٌ فَلَا تُحَرِّمْ عَلَيْنَا الْخَمْرَةَ فَهَبْ لَنَا ذَنْبَهُ وَ اقْبَلْ مِنَّا الْكَفَّارَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَا حُكْمَ إِلَّا حُكْمُ اللَّهِ، وَ أَنَا مُنْتَظِرٌ مَا يَأْتِي بِهِ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً وَ نَهَى بِذَلِكَ وَ كَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ عَنِ الْخَمْرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَ نَادَى فِي الْمَدِينَةِ وَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ..

الهداية الكبرى، ص: 109

و احتجوا بأنه مطلق حلال، و لم ينزل تحريمها في كتاب من كتب اللّه (عز و جل)، و ذكروا خبر نوح (عليه السلام) و أنه شرب و سكر من الخمرة حتى رقد و خرج ابنه حام و قد حملت الريح ثوب أبيه نوح (عليه السلام) حتى كشف عورته، فوقف ينظر إليه و يتضاحك في وجهه، و يعجب من أبيه فقام سام أخوه و نظر إليه و رأى ما يصنع فقال له: ويحك يا حام بمن تهزأ؟ فلم يخبره بشي‏ء فنظر سام منظر حام و إذا بالريح قد كشف ثوب أبيهما، و هو سكران نائم، فدنا منه و مدّ عليه ثوبه و ألقى عليه ملاءته و قعد يحرسه إلى أن أفاق، و انتبه من رقدته فنظر إلى سام فقال: يا بني ما لك جالسا و ملاءتك علي لونك متفكرا لا يكون أحد أجنى عليك جناية، فعدت تحرسني منها فقال له اللّه و رسوله أعلم فهبط جبريل (عليه السلام)، و قال له: يا نوح ربّك يقرئك السلام و يقول لك إن حاما فعل بك كيت و كيت، و سام ابنك أنكر ذلك من فعله و سترك و طرح ملاءته عليك، و حرسك من أخيه حام و من الريح، فقال نوح: بدل اللّه ما بحام من جمال قبحا، و من خير شرا، و من إيمان كفرا، و لعنه لعنا وبيلا كما صنع بأبيه رسولك و لم يشكر لولادته و لا لهدايته. فاستجاب اللّه دعاء نبيه نوح (عليه السلام) في ولده حام و استحال جماله سوادا مخبأ منخلقا مجددا مقطحا طمطمانيا فوثب على أبيه نوح يريد قتله فوثب عليه سام فعلا هامته بيده و صدّه عنه، فدعا نوح (عليه السلام) أن ينزل عليه الأمان من ذريته و أن يجعل بين حام و ذريته العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة.

و احتجوا بأن القرابين لها منذ قرب هابيل كانوا يشربون الخمر و يسقون القرابين منها و شرباها و وقفا يقربا منها، و أن شبر و شبير ابني هارون (عليه السلام) قربا قربانا ثم سقياه الخمر و شرباها و وقفا يقربان، فنزلت النار عليهما و أحرقتهما لأن الخمر في بطونهما فقتلا بذلك.

و احتجوا بقول اللّه عز و جل في الزبور على لسان داود (عليه السلام) خمرا مريئا، دلنا تريّا مفصحا أثر فسمي لحما لنا قلب ترياشا حسر خمرا

الهداية الكبرى، ص: 110

حسرا حرابا.

قال داود (عليه السلام): معنى خمرة هي الخمر، هي شقيق لنا قلب ترياشا ابن آدم، و يسقون القرابين منها و إنها شربت بعهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فاتخذوا الزي و المزفت إلى سكرة أبي بكر فقال المسلمون لم تنهانا عن شربها يا رسول اللّه أ نزل فيها أمر من عند اللّه فنعمل به؟ فأنزل اللّه (عز و جل): إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ فقال المسلمون إنما أمرنا بالاجتناب عنها و لم تحرم علينا فأنزل اللّه تبارك و تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏ فقالوا: أمرنا أن ننتهي و لم تحرم علينا فأنزل اللّه عز و جل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فقال المسلمون: فيه منافع للناس و إن كان الإثم أكبر من المنافع و لم يحرّم شربها علينا فأنزل اللّه تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ‏ فصحّ تحريم الخمر من قولهم إن الإثم اسم من أسماء الخمر و يستشهد بما تقدم من قول امري‏ء القيس ابن حجر الكندي حيث يقول:

شربت الإثم حتى زال عقلي‏

كذاك الإثم يذهب بالعقول‏

و مما عني به السيد ابن محمد الحميري في الخمرة يقول:

لو لا عتيق و شؤم سكرته‏

كانت حلالا كسائغ العسل‏

و في قصيدة أخرى يقول:

كانت حلالا لساكن الزمن‏

.

و له في لقاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمله له إلى مسجد قبا و خبره مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و خطابه له يقول:

لما لقاه أبو الفصيل بمشهد

فخلا به و قرينه لم يعلم‏

 

الهداية الكبرى، ص: 111

 

فتناشدوا في نقضه العهد الذي‏

أخذ النبي عليه غير تكتم‏

لتسلمن إلى الوصي امامة

و امارة صارت له من آدم‏

قال الغوي فأين لي ذو خبرة

ادري و يشهد بالذي قد تزعم‏

قال الوصي هل لك عني مخبر

عن النبي فقال آه حرم‏

اين النبي و كيف لي بمغيب‏

بين الجنادل في ضريح مظلم‏

قال الوصي علي ان تلقاه في‏

نادي قبا في مسجد لم يهدم‏

قال الغوي له أبعد مماته‏

قال الوصي نعم برغم مرغم‏

فأتى به فإذا النبي بمحضر

حي يحاوره بغير تجمجم‏

أنسيت ويلك يا عتيق و كبّه‏

لجبينه للأرض صفة النادم‏

قال النبي له عتيق ردها

ويلك تنجو من جريرة ظالم‏

قال الشقي نعم اردّ ظلامة

لعلي ذي الهادي بغير تذمم‏

و له في هذا المعنى قصيدة اخرى:

حتى لقاه أبو الفصيل بجانب‏

فخلا به و قرينه لم يشعر

 

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ تُفَضِّلُ عَلِيّاً عَلَيْنَا فِي كُلِّ الْأَفْعَالِ وَ الْأَشْيَاءِ وَ لَا يرى [تَرَى‏] لَنَا مَعَهُ فَضْلًا قَالَ لَهُمْ: مَا أَنَا فَضَّلْتُهُ بَلِ اللَّهُ فَضَّلَهُ، فَقَالُوا: وَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِذَا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ عِنْدَكُمْ أَصْدَقُ مِنْ أَهْلِ الْكَهْفِ حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ وَ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَ عَلِيّاً وَ أَجْعَلُ سلمانا [سَلْمَانَ‏] شَاهِداً عَلَيْكُمْ فَمَنْ أَحْيَى اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ لَهُ وَ أَجَابُوهُ كَانَ الْأَفْضَلَ.

قَالُوا رَضِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُبْسَطَ بِسَاطاً لَهُ، وَ دَعَا بِعَلِيٍّ فَأَجْلَسَهُ فِي الْبِسَاطِ وَ أَجْلَسَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قرن [قَرْناً] قَالَ سَلْمَانُ:

وَ أَجْلَسَنِي الْقَرْنَةَ الرَّابِعَةَ وَ قَالَ: يَا رِيحُ احْمِلِيهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَ رُدِّيهِمْ‏

الهداية الكبرى، ص: 112

إِلَيَّ فَدَخَلَتِ الرِّيحُ وَ سَارَتْ بِنَا فَإِذَا نَحْنُ فِي كَهْفٍ عَظِيمٍ فَحَطَّتْ عَلَيْهِ.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَا سَلْمَانُ هَذَا الْكَهْفُ وَ الرَّقِيمُ فَقُلْ لِلْقَوْمِ:

يَتَقَدَّمُونَ أَوْ أَتَقَدَّمُ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ نَتَقَدَّمُ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَلَّى وَ دَعَا وَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الْكَهْفِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ، فَقَامَ بَعْدَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ خَفِيَّاتٍ فَصَاحَ الْكَهْفُ وَ صَاحَ الْقَوْمُ مِنْ دَاخِلِهِ بِالتَّلْبِيَةِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْفِتْيَةُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زَادَهُمْ هُدًى.

فَقَالُوا: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَيْنَا بَعْدَ إِيمَانِنَا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَلَايَةِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ فَسَقَطَ الْقَوْمُ لِوُجُوهِهِمْ وَ قَالُوا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رُدَّنَا، فَقُلْتُ: وَ مَا ذَلِكَ إِلَيَّ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ رُدَّنَا فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

يَا رِيحُ رُدِّيهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَحَمَلَتْنَا فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ الْقِصَّةَ كَمَا جَرَتْ فَقَالَ: حَبِيبِي جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ عَلِيّاً فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ..

وَ عَنْهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ بِشْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَامِرٍ الطَّاطَرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ شِهَابٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ كَثِيرٍ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَضْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَخَافَتُونَ بِذَلِكَ وَ يَسْتُرُونَهُ خَوْفاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَنْ خَطَبَ أَكَابِرُ قُرَيْشٍ فَاطِمَةَ، وَ بَذَلُوا فِي تَزْوِيجِهَا الرَّغَائِبَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا يُزَوِّجُ أَحَداً مِنْهُمْ حَتَّى خَطَبَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ مَا خَطَبْتَهَا إِلَّا وَ اللَّهُ زَوَّجَكَ إِيَّاهَا فِي السَّمَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ ذَلِكَ فِيكَ وَ فِي ابْنَتِي فَاطِمَةَ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ زَوَّجَ اللَّهُ عَلِيّاً فِي السَّمَاءِ بِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)؟

الهداية الكبرى، ص: 113

فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): نَعَمْ يَا ابن [أَبَا] أَيُّوبَ أَمَرَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَنْ تَتَزَخْرَفَ وَ شَجَرَةَ طُوبَى أَنْ تَنْشُرَ أَغْصَانَهَا فِي السَّبْعِ سَمَاوَاتٍ إِلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَ أَنْ تَحْمِلَ بِأَغْصَانِهَا دُرّاً وَ يَاقُوتاً وَ لُؤْلُؤاً وَ مَرْجَاناً وَ زَبَرْجَداً وَ زُمُرُّداً أَصْكَاكاً مَخْطُوطَةً بِالنُّورِ، هَذَا مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلَائِكَةِ وَ حَمَلَةِ عَرْشِهِ وَ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ كَرَامَةً لِحَبِيبِهِ وَ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ وَصِيِّهِ عَلِيٍّ وَ أَمَرَ لِجِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ إِسْرَافِيلَ وَ عِزْرَائِيلَ وَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَ الْقَلَمِ وَ نُونٍ، وَ هِيَ مَخَازِنُ وَحْيِ اللَّهِ وَ تَنْزِيلِهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَ رُسُلِهِ و أَنْ يَقِفُوا فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَ أَنْ يَخْطُبَ جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَ يُزَوِّجَ مِيكَائِيلُ عَنِ اللَّهِ، وَ يَشْهَدَ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَ انْتَثَرَتْ طُوبَى مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَالْتَقَطَ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ النُّثَارَةَ الصِّكَاكَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَذْخُورٌ.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ نِحْلَتُهَا؟

قَالَ يَا أَبَا أَيُّوبَ شَطْرُ الْجَنَّةِ وَ خُمُسُ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ النِّيلُ وَ الْفُرَاتُ وَ سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ وَ الْخُمُسُ مِنَ الْغَنَائِمِ كُلُّ ذَلِكَ لِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ وَ حِباً لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَظْلِمَهَا فِيهِ بِوَرَقَةٍ.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: بَخْ بَخْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مِنَ الشَّرَفِ الْعَظِيمِ أَقَرَّ اللَّهُ بِهَا عَيْنَيْكَ وَ عُيُونَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَامَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَهَا فِي يَوْمِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ تَزْوِيجِهَا فِي السَّمَاءِ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا نِحْلَتُهَا فِي الْأَرْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نِحْلَتُهَا مَا تَكُونُ سُنَّةً مِنْ نِسَاءِ أُمَّتِي مَنْ آمَنَ مِنْهُنَّ وَ اتَّقَى قَالَ: وَ كَمْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي نِسَاءِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ تُعْظِمُ النِّحْلَةَ وَ تَتَنَافَسُ فِيهَا تَأْدِيباً مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةً مِنْهُ فِي ابْنَتِي وَ أَخِي.

قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ؟

قَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تَكُونُ النِّحْلَةُ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 114

فَإِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَجْعَلُ مَا يُعْطِيهَا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا بِرّاً وَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا بَلَّغْتَنَا إِيَّاهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ بَعْضُكُمْ إِلى‏ بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): مَا وَجَبَ لَهُنَّ ذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِنَّ، أَ لَا تَرَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ، وَ تَسْمَعُ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فَأَعْلَمَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُفْضَ إِلَيْهِنَّ وَ لَمْ يُمْسَسْنَ أَنْ لَا تَأْخُذُوا شَيْئاً.

قَالَ فَلَمَّا تَمَّتِ الْأَرْبَعُونَ يَوْماً أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَزُوِّجَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ حَضَرَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَ فِيهِمْ حَاسِدٌ لِعَلِيٍّ وَ شَامِتٌ بِفَاطِمَةَ، وَ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ مِنْ فَقِيرٍ وَ رِضاً مَسْرُوراً رِضَاءُ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ وَ تَكَاتَفُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَعَاشِرَ النَّاسِ مَا أَكْرَمَنِي بِهِ اللَّهُ وَ أَكْرَمَ بِهِ أَخِي عَلِيّاً وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، وَ تَزْوِيجَهَا فِي السَّمَاءِ وَ قَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أُزَوِّجَهُ فِي الْأَرْضِ وَ أَنْ أَجْعَلَ لَهُ نِحْلَتَهَا خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَكُونُ سُنَّةً فِي أُمَّتِي مِنْ أَغْنَاهُمْ، وَ الْمُقِلِّ مِنْهُمْ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.

ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَدَيْتُكَ فَاخْطُبْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ كَرَامَتِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً لِأَنْعُمِهِ وَ أَيَادِيهِ،

الهداية الكبرى، ص: 115

وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَبْلُغُهُ وَ تُرْضِيهِ، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَاةً تُزْلِفُهُ وَ تُحْظِيهِ، أَلَا وَ إِنَّ النِّكَاحَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَ رَضِيَهُ، وَ مَجْلِسُنَا هَذَا مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَ قَضَى فِيهِ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ وَ صَدَاقُهَا عَلَيَّ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَ اشْهَدُوا عَلَيَّ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا زَوَّجْتُكَ حَتَّى زَوَّجَكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَاشْهَدُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَخَرَجَ مَوْلًى لِأُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)- فَنَثَرَ سُكَّراً وَ لَوْزاً وَ نَثَرَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ يَدُهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) حَتَّى دَخَلَ إِلَى مَشْرَفَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ هِيَ مَشْرَفَةٌ عَالِيَةُ الْبِنَاءِ كَثِيرَةُ الْأَبْوَابِ وَ الطَّاقَاتِ وَ انْصَرَفَ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَ ارْتَفَعَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ نَقْرُ الدُّفُوفِ مِنْ مَشَارِفِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ الْأَصْوَاتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ شُكْرِهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِتَمَرَاتٍ كَانَتْ لَهُ فِي قَعْبٍ وَ فَضْلَةِ سَمْنٍ عَرَبِيٍّ فَطَرَحَهُ فِي قَصْعَةٍ كَانَتْ لَهُ وَ فَتَّهَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَ قَالَ: قَدِّمُوا يَا أَنْصَارُ الصِّحَافَ وَ الْقِصَاعَ، وَ احْمِلُوا إِلَى سَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ أَبْوَابِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَ اسْرَعُوا فِي الْمَدِينَةِ لِلسَّابِلَةِ مَا يَأْكُلُونَ وَ يَتَزَوَّدُونَ فَلَمْ تَزَلْ يَدُهُ الْمُبَارَكَةُ فِيهِ تَنْقُلُ مِنْ قَصْعَةٍ إِلَى الصِّحَافِ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ وَ هِيَ تَمْتَلِئُ وَ تُفِيضُ حَتَّى امْتَلَأَ مِنْهُمَا مَنَازِلُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ وَ أَسْرَعَتْ فِي الطُّرُقَاتِ فَأُكِلَتْ وَ تَزَوَّدَتِ السَّابِلَةُ وَ سَائِرُ النَّاسِ وَ قَصْعَتُهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَهَيْئَتِهَا بِحَالِهَا.

وَ تَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ وَ الْحُسَّادُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ قَالُوا لِنِسَائِهِمْ: أَلْقِينَ إِلَى فَاطِمَةَ مَا تَسْمَعْنَ مِنَّا فَبَلِّغْنَهَا وَ قُلْنَ لَهَا خَطَبَكِ أَكَابِرُ النَّاسِ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَ بَذَلُوا لَكِ الرَّغَائِبَ، فَزَوَّجَكِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ فَقِيرِ قُرَيْشٍ وَ لَيْسَ لَهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَمَنُ دِرْعِهِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ مَنْ لَا يَقْدِرُ يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ فِرَاشِ أَدِيمٍ، وَ مَضُوغَةِ مَحْشُوَّةِ لِيفِ النَّخِيلِ، وَ أَصْوَافِ الْغَنَمِ.

الهداية الكبرى، ص: 116

فَأَلْقَتْ نِسَاؤُهُمْ إِلَى فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) هَذَا الْقَوْلَ وَ زِدْنَ مِنْهُ وَ حَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَخَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَا بَالُ قَوْمٍ مِنْكُمْ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ النَّاسُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُؤْذِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ مَا رَضِيتَ، وَ يَسْخَطْ مَا سَخِطْتَ.

فَقَالَ لَهُمْ: لَيَبْلُغُنِي عَنْ قَوْمٍ مِنْكُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنِّي زَوَّجْتُ فَاطِمَةَ مِنْ أَفْقَرِ قُرَيْشٍ وَ قَدْ عَلِمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَن يَعْرِضَ عَلَيَّ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَ كُنُوزَهَا وَ مَا فِيهَا مِنْ تِبْرٍ وَ لُجَيْنٍ وَ جَوْهَرٍ، وَ آتَانِي مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَ كَشَفَ لِي عَنْ ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْتُ مِنْ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَ كُنُوزِهَا وَ جِبَالِهَا وَ بِحَارِهَا وَ أَنْهَارِهَا، فَقُلْتُ لَهُ وَ أَخِي عَلِيٌّ، يَرَى مَا رَأَيْتُ وَ يَشْهَدُ مَا شَهِدْتُ، فَقَالَ حَبِيبِي جِبْرِيلُ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَحُولُ وَ لَا يَزُولُ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فَكَيْفَ أَكُونُ وَ أَخِي عَلِيّاً وَ ابْنَتِي فَاطِمَةُ؟ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أُمَّتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لَقَدْ كَفَرَ! الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ إِلَى آخِرِ الْقَصَصِ..

وَ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا كَثُرَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ وَ حُسَّادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي مَا يُظْهِرُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْ فَضْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ يُبْصِرُ النَّاسُ وَ يَدُلُّهُمْ وَ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ وَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ لَهُ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَ مَنْ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهُ، وَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ وَصِيِّي، وَ خَلِيفَتِي، وَ قَاضِي دَيْنِي، وَ مُنْجِزُ وَعْدِي، وَ الْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِي، مَنْ أَطَاعَهُ سَعِدَ وَ مَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ وَ شَقِيَ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: لَقَدْ ضَلَّ مُحَمَّدٌ فِي ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ وَ غَوَى وَ جُنَّ، وَ اللَّهِ مَا فَتَّنَهُ فِيهِ وَ لَا حَبَّبَهُ إِلَيْهِ إِلَّا قَتْلُ الشُّجْعَانِ وَ الْفُرْسَانِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ غَيْرِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ وَ الْيَهُودِ، وَ إِنَ‏

الهداية الكبرى، ص: 117

كُلَّ مَا يَأْتِينَا بِهِ وَ يُظْهِرُهُ فِي عَلِيٍّ مِنْ هَوَاهُ وَ كُلُّ ذَلِكَ يَبْلُغُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى اجْتَمَعَ التِّسْعَةُ الرَّهْطِ الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فِي دَارِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ وَ كَانَ مَسْكَنُهَا فِي وَقْتِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وَ هُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ عَدَدُهُمْ عَشْرَةً، وَ هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ سَعْدٌ وَ سَعِيدٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالُوا: قَدْ أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ وَ زَادَ فِيهِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقُولَ لَنَا اعْبُدُوهُ لَقَالَ، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: لَيْتَ مُحَمَّداً أَتَانَا فِيهِ بِآيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا أَتَاهُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ شَقِّ الْقَمَرِ وَ غَيْرِهِ، فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ، فَنَزَلَ نَجْمٌ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى صَارَ عَلَى ذِرْوَةِ الْمَدِينَةِ حَتَّى دَخَلَ ضَوْءُهُ فِي الْبُيُوتِ وَ فِي الْآبَارِ وَ الْمَغَارَاتِ وَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُظْلِمَةِ مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ فَذُعِرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَعْراً شَدِيداً وَ خَرَجُوا وَ هُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ النَّجْمُ عَلَى دَارِ مَنْ نَزَلَ، وَ لَا أَيْنَ هُوَ مُعَلَّقٌ إِلَّا أَنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ عَلَى بَعْضِ مَنَازِلِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ الضَّجِيجَ وَ النَّاسَ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ صَاحَ بِالنَّاسِ: مَا الَّذِي أَزْعَجَكُمْ وَ أَخَافَكُمْ؟ مِنْ هَذَا النَّجْمِ النَّازِلِ عَلَى دَارِ أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: فَلَا يَقُولُ مُنَافِقُوكُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي أَمْسِكُمْ فِي دَارِ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ فَقَالُوا فِيَّ وَ فِي أَخِي عَلِيٍّ مَا قَالُوا، وَ قَالَ قَائِلٌ: لَيْتَ مُحَمَّداً، أَتَانَا بِآيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فِي عَلِيٍّ كَمَا أَتَانَا بِهَا فِي نَفْسِهِ مِنْ شَقِّ الْقَمَرِ وَ غَيْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا النَّجْمَ عَلَى ذِرْوَةِ دَارِ أَخِي عَلِيٍّ آيَةً لَهُ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ النَّجْمُ مُعَلَّقاً عَلَى مَشْرَبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى أَنْ غَابَ كُلُّ نَجْمٍ مِنَ السَّمَاءِ وَ هَذَا النَّجْمُ مُعَلَّقٌ.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَذَا حَبِيبِي جِبْرِيلُ قَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ فِي هَذَا النَّجْمِ وَحْياً وَ هُوَ مَا تَسْمَعُونَهُ، ثُمَّ قَرَأَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما

الهداية الكبرى، ص: 118

غَوى‏، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ ثُمَّ ارْتَفَعَ النَّجْمُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَ الشَّمْسُ قَدْ بَزَغَتْ وَ غَابَ كُلُّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ.

فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: لَوْ شَاءَ مُحَمَّدٌ لَأَمَرَ هَذِهِ الشَّمْسَ فَنَادَتْ بِاسْمِ عَلِيٍّ فَقَالَتْ: هَذَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَخَبَّرَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِمَا قَالُوا، وَ كَانَ هَذَا فِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ وَ صَبِيحَتِهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى النَّاسِ وَ قَالَ: اسْتَعِيدُوا عَلِيّاً مِنْ مَنْزِلِهِ فَاسْتَعَادُوا إِلَيْهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ قَوْماً مِنْ مُنَافِقِي أُمَّتِي مَا قَنِعُوا بِآيَةِ النَّجْمِ حَتَّى قَالُوا: لَوْ شَاءَ مُحَمَّدٌ لَأَمَرَ الشَّمْسَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى عَلِيٍّ وَ تَقُولَ هَذَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَبَكِّرْ يَا عَلِيُّ بَعْدَ صَلَاتِكَ الْفَجْرِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَ قِفْ نَحْوَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فَإِذَا بَزَغَتِ الشَّمْسُ فَادْعُ بِدَعَوَاتٍ نلتفك [أَنَا أُلَقِّنُكَ‏] إِيَّاهَا وَ قُلْ لِلشَّمْسِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلْقَ اللَّهِ الْجَدِيدَ، وَ اسْمَعْ مَا تَقُولُ وَ مَا تَرُدُّ عَلَيْكَ، وَ انْصَرِفْ إِلَى الْبَقِيعِ، فَسَمِعَ النَّاسُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ سَمِعَ التِّسْعَةُ الرَّهْطِ الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَزَالُونَ تُغْرُونَ مُحَمَّداً فِي ابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَ لَيْسَ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالَ اثْنَانِ مِنْهُمَا، وَ أَقْسَمَا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمَا إِنَّهُمَا لَا بُدَّ أَنْ يَحْضُرَا إِلَى الْبَقِيعِ حَتَّى يَنْظُرَا وَ يَسْمَعَا مَا يَكُونُ مِنْ عَلِيٍّ وَ الشَّمْسِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صَلَاةَ الْفَجْرِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَ قَالَ: قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِلَى مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَ رَسُولُهُ فَأْتِ الْبَقِيعَ حَتَّى تَقُولَ لِلشَّمْسِ مَا قُلْتُ لَكَ فَأَسَرَّ إِلَيْهِ سِرّاً كَانَ فِيهِ الدَّعَوَاتُ الَّتِي عَلَّمَهُ إِيَّاهَا فَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَسْعَى إِلَى الْبَقِيعِ وَ تَلَاهُ الرَّجُلَانِ، وَ تَلَاهُمَا آخَرُونَ مَعَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَقِيعِ فَأَخْفَيَا أَشْخَاصَهُمَا بَيْنَ تِلْكَ الْقُبُورِ وَ وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِجَانِبِ الْبَقِيعِ حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ فَهَمْهَمَ كَمَا عَلَّمَهُ النَّبِيُ‏

الهداية الكبرى، ص: 119

بِهَمْهَمَةٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا فَقَالُوا: هَذِهِ الْهَمْهَمَةُ مِمَّا عَلَّمَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ سِحْرِهِ، وَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ الْجَدِيدِ، فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَ قَالَتْ لَهُ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً فَأُرْعِدَ الْقَوْمُ وَ اخْتَلَطَتْ عُقُولُهُمْ وَ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ تَفِيضُ أَنْفُسُهُمْ غَيْظاً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْعَجَائِبُ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ لَا مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَ لَا فِي الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ الْقَدِيمَةِ لَيْتَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيّاً لَيْسَ بَشَراً وَ هُوَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِمَحْضَرِ عَلِيٍّ:

مَا رَأَيْتُمْ؟ فَقَالُوا: مَا نَقُولُ وَ نَسْمَعُ وَ نَشْهَدُ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ وَ مَا قَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَا بَلْ تَقُولُونَ مَا قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ فَقَالُوا: قَالَ عَلِيٌّ لِلشَّمْسِ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ الْجَدِيدِ، بَعْدَ أَنْ هَمْهَمَ هَمْهَمَةً تَزَلْزَلَ مِنْهَا الْبَقِيعُ فَأَجَابَتْهُ الشَّمْسُ: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ حَقّاً.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَصَّنَا بِمَا تَجْهَلُونَ وَ أَعْطَانَا مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي وَاخَيْتُ عَلِيّاً دُونَكُمْ وَ أَشْهَدْتُكُمْ أَنَّهُ وَصِيِّي فَمَا أَنْكَرْتُمْ عَسَاكُمْ تَقُولُونَ: لِمَ قَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ‏ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ اللَّهَ‏ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الْمُنْزَلِ عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَيْحَكُمْ وَ أَنَّى لَكُمْ بِعِلْمِ مَا قَالَتِ الشَّمْسُ؟ أَمَّا قَوْلُهَا: إِنَّكَ الْأَوَّلُ فَصَدَقَتْ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ مِمَّنْ دَعَوْتُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ خَدِيجَةُ فِي النِّسَاءِ، وَ أَمَّا قَوْلُهَا لَهُ: الْآخِرُ فَهُوَ آخِرُ الْأَوْصِيَاءِ وَ أَنَا آخِرُ النَّبِيِّينَ وَ الرُّسُلِ، وَ قَوْلُهَا:[4]

 

الهداية الكبرى، ص: 120

الْبَاطِنُ فَهُوَ وَ اللَّهِ بَاطِنُ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ سَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ عَلَى النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ مَا زَادَنِي اللَّهُ وَ خَصَّنِي اللَّهُ مِنْ عِلْمٍ وَ مَا تَعْلَمُونَهُ. وَ أَمَّا قَوْلُهَا لَهُ: يَا مَنْ أَنْتَ‏ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ* فَإِنَّ عَلِيّاً يَعْلَمُ عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْقَضَايَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ فَمَا ذَا أَنْكَرْتُمْ، فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ نَحْنُ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا مَا تَعْلَمُ لَسَقَطَ الِاعْتِذَارُ، وَ الْفَضْلُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِعَلِيٍّ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ وَ هَذِهِ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقُونَ.

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنِيرٍ الْقُمِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ صَعْصَعَةَ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا سَيِّدِي كَمْ مِنْ مَرَّةٍ رُدَّتِ الشَّمْسُ عَلَى جَدِّكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: يَا أَبَا بَصِيرٍ رُدَّتْ لَهُ مَرَّةً عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ، وَ مَرَّتَيْنِ عِنْدَكُمْ بِالْعِرَاقِ.

فَأَمَّا الَّتِي عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) صَلَّى الْعَصْرَ وَ خَرَجَ إِلَى مُنْفَسَحٍ فِي غَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ، وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) يَتْبَعُهُ وَ لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَحِقَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) النُّعَاسُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ رَقَدَ فَلَمْ يَنْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِهِ إِلَّا وَ قَدْ تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ فَلَمَّا انْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ وَ لَا أَيْقَظْتُكَ مِنْ رَقْدَتِكَ إِجْلَالًا وَ إِعْظَاماً وَ إِشْفَاقاً عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ عَلِيّاً عَظَّمَ نَبِيَّكَ وَ أَشْفَقَ عَلَيْهِ أَنْ يُوقِظَهُ مِنْ رَقْدَتِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ فَكَرِّمْ نَبِيَّكَ وَ وَصِيَّكَ بِرَدِّ الشَّمْسِ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ فَأَقْبَلَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا رَاجِعَةً لَهَا زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ، حَتَّى صَارَتْ فِي مَنْزِلَةِ الشَّمْسِ لِوَقْتِ الْعَصْرِ فَصَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 121

وَ آلِهِ) وَ جَمِيعُ النَّاسِ يَنْظُرُونَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ هَوَتْ إِلَى مَغْرِبِهَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ أَوْ كَالْكَوْكَبِ الْمُنْقَضِّ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) أَنْ يَبْنِيَ فِي مَوْضِعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ الَّتِي صَلَّاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَسْجِداً يُصَلَّى فِيهِ وَ يُزَارُ.

قَالَ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): أَنَا رَأَيْتُ هَذَا الْمَسْجِدَ فِي غَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ فِي أَرْضِ السَّهْلَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ وَ مِأَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ صَلَّيْتُ بِهِ مَعَ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَ الْمَسْجِدُ يُجَدَّدُ أَبَداً فِي كُلِّ زَمَانٍ وَ يُعْرَفُ بِمَوْضِعِ رَدَّةِ الشَّمْسِ لِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَ هُوَ مَشْهَدٌ مَعْرُوفٌ.

وَ أَمَّا الْأُولَى مِنَ الْمَرَّتَيْنِ فِي الْعِرَاقِ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَارَ بِعَسْكَرِهِ مِنَ النُّخَيْلَةِ مَغْرِباً حَتَّى أَتَى نَهْرَ كَرْبَلَاءَ فَمَالَ إِلَى بُقْعَةٍ يَتَضَوَّعُ مِنْهَا الْمِسْكُ وَ قَدْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ مُظْلِماً مُعْتَكِراً وَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ وَ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ وَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ وَ هَاشِمٌ الْمُرِّيُّ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: فَلَمَّا وَقَفَ فِي الْبُقْعَةِ وَ تَرَجَّلَ النَّفَرُ مَعَهُ وَ صَلَّى، وَ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا كَمَا صَلَّيْتُ، وَ لَكُمْ عَلَيَّ عِلْمُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَ مِنَنٌ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَتِهَا، فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) هَذِهِ وَ اللَّهِ الرَّبْوَةُ ذَاتُ‏ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏، الَّتِي وُلِدَ فِيهَا عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ فِي مَوْضِعِ الدَّالِيِّ مِنْ ضَفَّةِ الْفُرَاتِ غَسَلَتْ مَرْيَمُ، وَ اغْتَسَلَتْ وَ هِيَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي نَادَى اللَّهُ مُوسَى مِنَ الشَّجَرَةِ، وَ هِيَ مَحَطُّ رِكَابِ مَنْ هَنَّأَ اللَّهُ بِهِ جَدَّهُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ عَزَّاهُ، فَبَكَوْا وَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ؟ قَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): اخْفِضُوا مِنْ أَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّهُ وَ إِخْوَانَهُ فِي هَذَا السَّوَادِ وَ مَا أُحِبُّ أَنْ يَسْمَعُوا فَيَحْزَنُوا عَلَى الْحُسَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ عَلِمَ وَ فَهِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَ أَخْبَرَهُ بِهِ جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

الهداية الكبرى، ص: 122

ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نَثْرِ دَوْحَاتٍ كَأَنَّهُنَّ قَضَبَاتُ اللُّجَيْنِ، فَاشْتَمَّهَا ثُمَّ رَدَّهَا فِي أَيْدِينَا، وَ قَالَ: تَحَيَّوْا بِهَا فَأَخَذْنَاهَا فَإِذَا هِيَ بَعْرُ غِزْلَانٍ فَقَالَ لَنَا:

لَا تَظُنُّوا أَنَّهَا مِنْ غِزْلَانِ الدُّنْيَا، بَلْ هِيَ مِنْ غِزْلَانِ الْجَنَّةِ، تَعْمُرُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ وَ تُؤْنِسُهَا وَ تَنْثُرُ فِيهَا الطِّيبَ.

قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَرْسِمَ هَذِهِ الْبُقْعَةَ بِأَبْصَارِنَا، وَ هَذَا اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا عَسْكَرُنَا حَائِرٌ لَا يَهْتَدِي مَسِيرَهُ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَا مَوْلَانَا وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ، فَأَيْنَ فَضْلُكَ الْكَبِيرُ لَا يُدْرِكُنَا؟ فَانْفَرَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي جَانِبٍ مِنَ الْبُقْعَةِ، وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَإِذَا الشَّمْسُ قَدْ رَجَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا فَوَقَفَتْ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ فَهَلَّلَ الْعَسْكَرُ وَ كَبَّرُوا وَ خَرَّ أَكْثَرُهُمْ سُجَّداً لِلَّهِ، وَ نَظَرُوا إِلَى الْبُقْعَةِ وَ عَرَفُوهَا وَ عَلِمُوا أَيْنَ هِيَ مِنَ الْفُرَاتِ وَ هِيَ كَرْبَلَاءُ ثُمَّ سَارَ الْعَسْكَرُ عَلَى الْجَادَّةِ وَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ.

وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) انْكَفَأَ مِنَ النَّهْرَوَانِ بَعْدَ قَتْلِهِ الْخَوَارِجَ حَتَّى قَرُبَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ وَ قَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَلَمَّا وَجَبَتْ أَقْبَلَ النَّاسُ مِنَ الْعَسْكَرِ وَ هُمْ سَائِرُونَ يَقُولُونَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الصَّلَاةَ لَيْلًا، ثُمَّ يَجْرِي فِي أَرْضٍ قَدْ خَسَفَ اللَّهُ فِيهَا بَطْشَهُ وَ هِيَ أَرْضٌ لَا يُصَلِّي لَهَا نَبِيٌّ وَ لَا وَصِيٌّ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ قَدْ صَلَّى أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ جُوَيْرِيَةَ بْنَ مُسْهِرٍ يَقُولُ:

وَ اللَّهِ لَأُقَلِّدَنَّ صَلَاتِي لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنِّي أصلها [أُصَلِّيهَا] وَ قَدْ صَلَّاهَا سَائِرُ الْعَسْكَرِ، وَ لِي بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أُسْوَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَا صَلَّيْتَ؟

فَقَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَلَّيْتُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَذِّنْ وَ أَقِمْ حَتَّى نُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَصَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ مُنْفَرِدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِنْهَا كَلِمَةً إِلَّا جُوَيْرِيَةُ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ وَ دَعَا بِالْكَلِمَاتِ‏

الهداية الكبرى، ص: 123

الْإِنْجِيلِيَّةِ، فَأَقْبَلَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ غُرُوبِهَا رَاجِعَةً لَهَا ضَجِيجٌ وَ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ حَتَّى صَارَتْ فِي دَرَجَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَصَلَّى وَ جُوَيْرِيَةُ مَعَهُ وَ نَدِمَ أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ فِي صَلَاتِهِمْ دُونَهُ.

قَالَ جُوَيْرِيَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الشَّمْسَ تُرَدُّ لِصَلَاتِكَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ السَّلَامُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ يَا جُوَيْرِيَةُ فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْعَسْكَرِ: فَقَدْ صَلَّيْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْتُمُ الْمَغْرُورُونَ، إِذْ قُلْتُمْ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَرَماً يَكُونُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعاً إِلَّا مَحْرَمَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ أَرْبَعَةٌ وَ ثَمَانِيَةٌ بِيَسَارِهَا، وَ كَذَلِكَ أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْ تُبَاشِرُوا فِي الْقِبْلَةِ وَ إِذَا صَلَّيْتُمْ تَبَايَنُوا فَإِنَّكُمْ إِذَا بَاشَرْتُمْ فِي وَسَطِ الْقِبْلَةِ تَبَايَنْتُمْ خَرَجْتُمْ عَنْهَا وَ إِنَّمَا صَلَّيْتُمْ فِي حَرَمِ الْفُرَاتِ، ثُمَّ رَجَعَتِ الشَّمْسُ بِعَيْنِهَا مُنْقَضَّةً كَالْكَوْكَبِ الْمُنْقَضِّ أَوِ الشِّهَابِ الثَّاقِبِ فَلَمَّا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أَمَرَّ الْعَسْكَرَ إِلَى غَرْبِيِّ الْفُرَاتِ فَعَبَرُوا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ عَسْكَرُوا بِقَرْيَةِ سُورِ الْعَقِيقِ وَ أُمِرُوا فِي الْأَذَانِ وَ الْإِقَامَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعِشَائَيْنِ وَ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ حَتَّى وَرَدَ الْكُوفَةَ.

وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَصِيِّ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ كَانَ آخِرُ قِتَالِهِمْ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَصْحَابُ يُوشَعَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ قَالَ قَاتِلُوهُمْ فَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالُوا: لَا نُقَاتِلُ وَ قَدْ دَخَلَ السَّبْتُ فَانْفَرَدَ يُوشَعُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَتَلَا أَسْفَاراً مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِرَدِّ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يَحْتَجَّ الْمَارِقُونَ، فَقَالَ يُوشَعُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): قَاتِلُوا، قَالُوا: لَا نُقَاتِلُ لِأَنَّ السَّبْتَ قَدْ دَخَلَ، قَالَ: هَذَا لَا مِنَ السَّبْتِ وَ لَا مِنَ الْجُمُعَةِ، وَ إِنَّمَا سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَدَّ الشَّمْسِ لِتَظْهَرُوا عَلَى أَعْدَائِكُمْ وَ لَا يَظْهَرُوا فَقَاتَلُوهُمْ فَغَلَبُوهُمْ وَ مَلَكُوهُمْ وَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَ كَانَتْ صَفْرَاءُ ابْنَةُ

الهداية الكبرى، ص: 124

شُعَيْبٍ النَّبِيِّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) زَوْجَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تُقَاتِلُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَعَ الْمَارِقِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى زَرَّافَةٍ كَمَا قَاتَلَتْ عَائِشَةُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَصِيَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَعَ الْمَارِقِينَ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى جَمَلٍ.

وَ قَدْ رُدَّتْ لِيُوشَعَ مَرَّةً، وَ قَدْ رُدَّتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ.

وَ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أَمَرَ بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ خَيْلُهُ حَتَّى أُعْجِبَ بِهَا وَ فَتَنَتْهُ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَأَمَرَ بِرَدِّ خَيْلِهِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ سُوقِهَا وَ أَعْنَاقِهَا كَفَّارَةً لِمَا فَوَّتَتْهُ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَ لَمْ تُرَدَّ الشَّمْسُ لَهُ فَصَلَّى الْعَصْرَ، كَمَا رُدَّتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الْفَضْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأَنَّ الْفَضْلَ لِلنَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ، وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْوَصِيِّينَ وَ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ.

وَ قَدْ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَ سُلَيْمَانَ (عَلَيْهِ السَّلَامَ) فَقَالَ تَعَالَى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ‏ وَ لَمْ يُخْبِرْ إِلَّا بِهِ وَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ نَفْسِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ لَا أَخْبَرَ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ عَلَيْهِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَهْمٍ عَنْ أَبِي الصَّامِتِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: بَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مُتَجَهِّزٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى قِتَالِهِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ فَعَجَّلَ أَحَدُهُمَا بِالْكَلَامِ وَ زَادَ فِيهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ لَهُ: اخْسَأْ يَا

الهداية الكبرى، ص: 125

كَلْبُ فَإِذَا رَأْسُهُ رَأْسُ كَلْبٍ فَبُهِتَ مَنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَ أَقْبَلَ الرَّجُلُ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ يَتَضَرَّعُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَسْأَلُهُ الْإِقَالَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَعَادَ خَلْقاً سَوِيّاً فَوَثَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْقُدْرَةُ لَكَ أَرَيْتَنَا إِيَّاهَا وَ أَنْتَ تُجَهِّزُنَا إِلَى قِتَالِ مُعَاوِيَةَ، فَمَا لَكَ لَا تَكْفِينَا بِبَعْضِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْقُدْرَةِ؟ فَأَطْرَقَ قَلِيلًا وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ شِئْتُ لَضَرَبْتُ بِرِجْلِي هَذِهِ الْقَصِيرَةِ فِي طُولِ هَذِهِ الْفَيَافِي وَ الْفَلَوَاتِ وَ الْجِبَالِ وَ الْأَوْدِيَةِ حَتَّى أَضْرِبَ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ عَلَى سَرِيرِهِ فَأَقْلِبَهِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ، وَ لَوْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ آتِيَ بِهِ قَبْلَ أَنْ أَقُومَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَى أَحَدِكُمْ طَرْفُهُ لَفَعَلْتُ وَ لَكِنَّا كَمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ عَقِيلِ بْنِ يَحْيَى الْحُسَيْنِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مِيثَمٍ التَّمَّارِ قَالَ: خَطَبَ بِنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي جَامِعِ الْكُوفَةِ فَأَطَالَ خُطْبَتَهُ وَ عَجِبَ النَّاسُ مِنْ طُولِهَا وَ حُسْنِ وَعْظِهَا وَ تَرْغِيبِهَا وَ تَرْهِيبِهَا إِذْ دَخَلَ نَذِيرٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ وَ هُوَ مُسْتَغِيثٌ يَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي رَعِيَّتِكَ وَ شِيعَتِكَ، هَذِهِ خَيْلُ مُعَاوِيَةَ قَدْ شَنَّتْ عَلَيْنَا الْغَارَاتِ فِي سَوَادِ الْفُرَاتِ، مَا بَيْنَ هِيتٍ وَ الْأَنْبَارِ، فَقَطَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخُطْبَةَ، وَ قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ خَيْلَ مُعَاوِيَةَ قَدْ دَخَلَتِ الدَّسْكَرَةَ الَّتِي تَلِي جُدْرَانَ الْأَنْبَارِ فَقَتَلُوا فِيهَا سَبْعَ نِسْوَةٍ وَ سَبْعَةً مِنَ الْأَطْفَالِ ذُكْرَاناً، وَ شَهَرُوهُمْ وَ وَطِئُوهُمْ بِحَوَافِرِ خَيْلِهِمْ، وَ قَالُوا هَذِهِ مُرَاغَمَةً لِأَبِي تُرَابٍ.

فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي رَأَيْتُ بِهَا وَ أَنْتَ عَلَى مِنْبَرِكَ وَ فِي دَارِكَ، وَ خَيْلُ مُعَاوِيَةَ ابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ فَعَلَ بِشِيعَتِكَ مَا فَعَلَ» وَ يَعْلَمُ بِهَا هَذَا النَّذِيرُ، مَا بَالُهَا تَقْصُرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ؟

الهداية الكبرى، ص: 126

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ‏ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَصَاحَ النَّاسُ فِي جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِلَى مَتَى يَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ، وَ شِيعَتُكَ تَهْلِكُ؟ فَقَالَ لَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا فَصَاحَ زَيْدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمُرَادِيُّ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ لَنَا بِالْأَمْسِ وَ أَنْتَ مُتَجَهِّزٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَ تُحَرِّضُنَا عَلَى قِتَالِهِ وَ يَحْتَكِمُ الرَّجُلَانِ فِي الْبَغْلِ، فَيُعَجِّلُ أَحَدُهُمَا عَلَيْكَ فِي الْكَلَامِ فَتَجْعَلُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ، وَ يَسْتَجِيرُكَ فَتَرُدُّهُ بَشَراً سَوِيّاً، وَ نَقُولُ لَكَ مَا بَالُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ لَا تَبْلُغُ مُعَاوِيَةَ فَتَكْفِيَنَا شَرَّهُ، فَتَقُولُ لَنَا: وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِرِجْلِي هَذِهِ الْقَصِيرَةِ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَقْلِبَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ، فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ لَا تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَضْعُفَ يَقِينُنَا فَنَشُكَّ فِيكَ فَنَدْخُلَ النَّارَ؟

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَأَفْعَلَنَّ ذَلِكَ وَ لَأُعَجِّلَنَّ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ فَمَدَّ رِجْلَهُ الْمُبَارَكَةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَخَرَجَتْ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَّهَا إِلَى فَخِذِهِ، وَ قَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ افْهَمُوا تَارِيخَ الْوَقْتِ وَ اعْلَمُوهُ فَلَقَدْ ضَرَبْتُ بِرِجْلِي هَذِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَلْقَيْتُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ هُبِطَ بِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْنَ النَّظِرَةُ، فَرَدَدْتُ رِجْلِي عَنْهُ، فَتَوَقَّعَ النَّاسُ وَ وَرَدَ الْخَبَرُ مِنَ الشَّامِ بِتَارِيخِ تِلْكَ السَّاعَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَتْ مِنْ نَحْوِ أَبْوَابِ كِنْدَةَ مَمْدُودَةً مُتَّصِلَةً قَدْ دَخَلَتْ مِنْ أَبْوَابِ مُعَاوِيَةَ وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى ضَرَبَتْ صَدْرَ مُعَاوِيَةَ فَأَقْلَبَتْهُ عَنْ سَرِيرِهِ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَصَاحَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حُبَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْآدَمِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ بِالْكُوفَةِ وَ إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ أَبْيَضِ الرَّأْسِ وَ اللِّحْيَةِ يَسْتَمِدُّ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَ يَبْكِي وَ دُمُوعُهُ‏

الهداية الكبرى، ص: 127

تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى عَلَيَّ نَيِّفٌ وَ مِائَةُ سَنَةٍ لَمْ أَرَ فِيهَا عَدْلًا وَ لَا حَقّاً وَ لَا عِلْماً ظَاهِراً إِلَّا سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ وَ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، فَأَنَا أَبْكِي لِذَلِكَ فَقُلْتُ: وَ مَا تِلْكَ السَّاعَةُ وَ اللَّيْلَةُ وَ الْيَوْمُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ الْعَدْلَ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَ كَانَ لِي ضَيْعَةٌ بِنَاحِيَةِ سُورٍ، وَ كَانَ لَنَا جَارٌ فِي الْقَرْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَ كَانَ رَجُلًا مُصَاباً بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وَ كَانَ خَلِيطاً وَ صَدِيقاً، وَ إِنِّي دَخَلْتُ الْكُوفَةَ يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ بِطَعَامٍ لِي عَلَى أَحْمِرَةٍ لِي أُرِيدُ بَيْعَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسُوقُ حَمِيرِي وَ إِذَا بِصَوْتٍ فِي سَبَخَةِ الْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَافْتَقَدْتُ حَمِيرِي فَكَأَنَّ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْهَا أَوِ السَّمَاءَ تَنَاوَلَتْهَا أَوْ كَأَنَّ الْجِنَّ اخْتَطَفَتْهَا فَمَرَرْتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَلَمْ أَجِدْهَا فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ مِنْ سَاعَتِي أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَصَابَنِي فَلَمَّا أَخْبَرْتُهُ قَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أُخْبِرَهُ فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِلْحَارِثِ انْطَلِقْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَ خَلِّنِي وَ الْيَهُودِيَّ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ حَمِيرَهُ وَ طَعَامَهُ، حَتَّى أَرُدَّهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَ مَضَى حَتَّى أَتَيْنَا الْمَوْضِعَ الَّذِي فَقَدْتُ فِيهِ حَمِيرِي فَوَجَّهَ وَجْهَهُ عَنِّي وَ تَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ بِكَلَامٍ لَا أَفْهَمُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا بَايَعْتُمُونِي وَ عَاهَدْتُمُونِي مَعَاشِرَ الْجِنِّ إِلَّا بِالطَّاعَةِ لِي وَ الِاسْتِمَاعِ لِأَمْرِي وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَرُدُّوا عَلَى هَذَا الْيَهُودِيِّ حَمِيرَهُ وَ طَعَامَهُ لَأَنْقُضَنَّ عَهْدَكُمْ وَ لَأُجَاهِدَنَّ فِيكُمْ حَقَّ الْجِهَادِ، قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى رَأَيْتُ حَمِيرِي وَ طَعَامِي بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اخْتَرْ يَا يَهُودِيُّ إِحْدَى الْخَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَنْ تَسُوقَ حَمِيرَكَ وَ أَنَا أَحْرُسُهَا مِنْ وَرَائِهَا وَ إِمَّا أَنْ أَسُوقَهَا أَنَا وَ أَنْتَ تَحْرُسُهَا، فَقُلْتُ: أَنَا أَسُوقُهَا وَ تَقَدَّمْ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَقَدَّمَ وَ أَتْبَعْتُهُ الْحَمِيرَ حَتَّى انْتَهَى بِهَا إِلَى الرَّحْبَةِ فَقَالَ: يَا يَهُودِيُّ أَحُطُّ عَنْهَا وَ تَحْفَظُهَا أَنْتَ، أَوْ تَحُطُّ وَ أَحْفَظُهَا أَنَا حَتَّى يُصْبِحَ الصُّبْحُ؟ فَإِنَّهُ عَلَيْكَ بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ أَنَا أَقْوَى عَلَيْهَا بِالْحَطِّ، وَ أَنْتَ أَقْوَى عَلَيْهَا بِالْحِفْظِ فَقَالَ خَلِّنِي وَ إِيَّاهَا وَ نَمْ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَبَّهَنِي، ثُمَّ قَالَ لِي: قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاحْفَظْ عَلَيْكَ‏

الهداية الكبرى، ص: 128

طَعَامَكَ وَ حَمِيرَكَ وَ لَا تَغْفَلْ عَنْهَا حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ فَانْطَلَقَ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَتَانِي، وَ قَالَ افْتَحْ عَنْ بُرِّكَ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ فَفَعَلْتُ ثُمَّ قَالَ: اخْتَرْ خَصْلَةً مِنْ خَصْلَتَيْنِ، إِمَّا تَبِيعُ وَ أَسْتَوْفِي أَنَا، وَ إِمَّا اسْتَوْفِ أَنْتَ وَ أَبِيعُ أَنَا، فَقُلْتُ: أَنَا أَقْوَى عَلَى بَيْعِهَا وَ أَنْتَ أَقْوَى عَلَى اسْتِيفَائِهَا فَبِعْتُ أَنَا وَ اسْتَوْفَى لِيَ الثَّمَنَ، وَ دَفَعَهُ إِلَيَّ وَ قَالَ: أَ لَكَ حَاجَةٌ؟

فَقُلْتُ: نَعَمْ أُرِيدُ أَدْخُلُ إِلَى السُّوقِ فِي شِرَاءِ حَوَائِجَ فَقَالَ: امْضِ حَتَّى أُعِينَكَ عَلَيْهَا، فَإِنَّكَ ذِمِّيٌّ فَلَمْ يَزَلْ مَعِي حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ حَوَائِجِي، ثُمَّ وَدَّعَنِي فَقُلْتُ لَهُ عِنْدَ الْفِرَاقَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ خَلِيفَتُهُ عَلَى الْجِنِّ وَ الْإِنس فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْراً. ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى قَرْيَتِي وَ أَقَمْتُ بِهَا شُهُوراً وَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَاشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَقِيلَ لِي قَدْ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَاسْتَرْجَعْتُ وَ صَلَّيْتُ صَلَاةً كَثِيرَةً وَ قُلْتُ عِنْدَ ذَلِكَ ذَهَبَ الْعِلْمُ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ عَدْلٍ رَأَيْتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَ آخِرُ عَدْلٍ رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَا لِي لَا أَبْكِي.

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْبَطَائِنِيِّ وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ مَعْمَرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ أَنْ لَا تَذْهَبَ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يَجْرِيَ هَاهُنَا نَهَرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ أَ فَأَنْتُمْ مُصَدِّقُونَ فِيمَا قُلْتُ أَمْ لَا؟ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: وَ اللَّهِ كَأَنَّنِي أَنْظُرُ إِلَى نَهَرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَزْخُرُ فِيهِ الْمَاءُ وَ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ يَحْرِفُهُ طَاغُوتٌ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَ لَيْسَ هُوَ مِنَّا يَكُونُ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْعِتْرَةِ أَوَّلًا عَذَاباً، وَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ آخِراً فَلَمْ تَذْهَبِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى حُفِرَ الْخَنْدَقُ بِالْكُوفَةِ حَفَرَهُ الْمَنْصُورُ فَكَانَ عَذَاباً عَلَى أَهْلِهَا أَوَّلًا وَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ آخِراً، ثُمَ‏

الهداية الكبرى، ص: 129

جَرَى فِيهِ الْمَاءُ وَ السُّفُنُ وَ انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعُودٌ الْمَدَائِنِيُّ، وَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَرْقَدٍ جَمِيعاً عَنْ فَضْلٍ الرَّسُولِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: لَوْ أَرَيْتَنَا مَا تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُنَا مِمَّا فِي يَدِكَ مِمَّا أَنْهَى إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: لَوْ أَرَيْتُكُمْ عَجِيبَةً مِنْ عَجَائِبِي لَكَفَرْتُمْ، وَ قُلْتُمْ: سَاحِرٌ أَوْ كَاهِنٌ وَ لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ قَوْلِكُمْ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّكَ وَرِثْتَ عِلْمَ رَسُولِ اللَّهِ وَ صَارَ إِلَيْكَ فَقَالَ: عِلْمُ الْعَالِمِ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَ أَيَّدَهُ‏ بِرُوحٍ مِنْهُ‏، فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أُرِيَكُمْ بَعْضَ عَجَائِبِي وَ مَا أَتَانِي مِنَ الْعِلْمِ فَاتَّبِعُوا أَثَرِي، إِذَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَلَمَّا صَلَّى أَخَذَ طَرِيقَهُ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ وَ اتَّبَعُوهُ وَ هُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِمَّنْ كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَ كَانُوا شِيعَةً لَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أُرِيكُمْ شَيْئاً حَتَّى آخُذَ عَلَيْكُمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ أَلَّا تُكَفِّرُونِّي وَ لَا تَرْمُونِّي بِالْمُعَطِّلَاتِ، وَ اللَّهِ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا بَعْضَ مَا أُعْطِيتُ مِنْ مِيرَاثِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَ الْحُجَّةِ عَلَيَّ وَ عَلَيْكُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ ثُمَّ قَالَ: حَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَدْعُوَ بِمَا أُرِيدُ فَسَمِعُوهُ جَمِيعاً يَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَ يَعْلَمُونَهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ حَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ فَإِذَا هُمْ بِالْقِيَامَةِ قَدْ قَامَتْ، وَ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ قَدْ حَضَرَتْ، وَ حُشِرَ جَمِيعُهُمْ فَمَا شَكُّوا فِي الْقِيَامَةِ وَ أَنَّهُمْ بُعِثُوا وَ حُشِرُوا فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا فَقَالَ هَكَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَحْسَنُهُمْ قَوْلًا: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ عَظِيمٌ، وَ رَجَعُوا مِنْ فَوْرِهِمْ كُفَّاراً إِلَّا رَجُلَانِ فَلَمَّا صَارَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ، قَالَ سَمِعْتُمُا مَقَالَةَ أَصْحَابِكُمَا وَ أَخْذِي عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ وَ رُجُوعَهُمْ يُكَفِّرُونَنِي أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَفِي حُجَّتِي، وَ هَكَذَا كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُونَ: سَاحِرٌ كَاهِنٌ كَذَّابٌ، وَ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ مَا خَلَقَ اللَّهُ‏

الهداية الكبرى، ص: 130

خَلْقاً كَانَ خَيْراً مِنْهُ، وَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا يُحْلَفُ بِأَعْظَمَ مِنْهُ وَ بِرَسُولِهِ وَ رُسُلِهِ وَ كُتُبِهِ كُلِّهَا إِنِّي لَسْتُ سَاحِراً وَ لَا كَذَّاباً، وَ لَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا لِي وَ لِرَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْهَاهُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ، وَ أَنْهَاهُ رَسُولُهُ إِلَيَّ، وَ أَنْهَيْتُهُ إِلَيْكُمْ فَصُدِّقَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ كَذَّبْتُمُونِي وَ كَذَّبْتُمْ رُسُلَهُ وَ نُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ، فَإِذَا رَدَدْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ رَدَدْتُمْ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ أَنْتُمَا رَاجِعُانِ مَعِي وَ فِي قُلُوبِكُمَا مَرَضٌ وَ سَيَرْجِعُ أَحَدُكُمَا كَافِراً قَالا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَرْجُو أَنْ لَا نَكْفُرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ: هَيْهَاتَ الْمُؤْمِنُ قَلِيلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ‏ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَسَمِعْنَاهَا فَإِذَا حَصَى الْمَسْجِدِ دُرّاً وَ يَاقُوتاً وَ لُؤْلُؤاً، فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا دُرٌّ وَ يَاقُوتٌ وَ لُؤْلُؤٌ فَقَالَ لَوْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا لَأَبَرَّ قَسَمِي، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا كَافِراً وَ الْآخَرُ مُثْبَتاً، وَ أَخَذَ دُرَّةً مِنْ ذَلِكَ الدُّرِّ بَيْضَاءَ لَمْ يَنْظُرْ مِثْلَهَا وَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَخَذْتُ مِنْ ذَلِكَ الدُّرِّ دُرَّةً وَاحِدَةً وَ هِيَ مَعِي، قَالَ فَمَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا قَالَ: أَحْبَبْتُ أَعْلَمُ أَ حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّكَ إِنْ رَدَدْتَهَا إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي أَخَذْتَهَا مِنْهُ عَوَّضَكَ اللَّهُ، إن لَمْ تَرُدَّهَا عَوَّضَكَ مِنْهَا النَّارَ، فَقَامَ الرَّجُلُ فَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا فَتَحَوَّلَتْ حَصَاةً كَمَا كَانَتْ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَحْسَنْتَ.

وَ كَانَ مِمَّا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ وَ أَبُو الْحَارِثِ الْأَعْوَرُ وَ مِيثَمٌ التَّمَّارُ،.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبٍ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ أَنَّهُ كَانَ يَوْماً مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي مَجْلِسِ الْقَضَايَا، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَعْدِيَةً عَلَى زَوْجِهَا فَتَكَلَّمَتْ بِحُجَّتِهَا وَ تَكَلَّمَ زَوْجُهَا بِحُجَّتِهِ، فَأَوْجَبَ بِحُجَّتِهِ الْقَضَاءَ عَلَيْهَا فَغَضِبَتْ غَضَباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِالْجَوْرِ وَ مَا بِهَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا سَلْفَعُ يَا مَهْيَعُ يَا فَرْدَعُ بَلْ حَكَمْتُ عَلَيْكِ بِالْحَقِّ الَّذِي تَعْلَمِينَهُ فَلَمَّا سَمِعَتْ هَذَا الْكَلَامَ قَامَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مُنْسَحِبَةً وَ لَمْ تَرُدَّ

الهداية الكبرى، ص: 131

عَلَيْهِ جَوَاباً فَاتَّبَعَهَا عُمَرُ بْنُ حَرِيشٍ، فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكِ الْيَوْمَ عَجَباً، سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قَالَ لَكِ كَلَاماً فَقُمْتِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مُنْهَزِمَةً وَ مَا رَدَدْتِ عَلَيْهِ حَرْفاً، فَأَخْبِرِينِي مَا الَّذِي قَالَ لَكِ حَتَّى لَمْ تَقْدِرِي تَرُدِّينَ عَلَيْهِ جَوَاباً؟ قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي، وَ أَنَا مَا قُمْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يُخْبِرَنِي بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا رَمَانِي بِهِ فَصَبَرْتُ عَلَى وَاحِدَةٍ كَانَتْ أَجْمَلَ مِنْ صَبْرٍ عَلَى وَاحِدَةٍ بَعْدَهَا.

قَالَ لَهَا: فَأَخْبِرِينِي مَا الَّذِي قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّهُ قَالَ لِي مَا أَكْرَهُ ذِكْرَهُ وَ بَعْدُ فَإِنَّهُ قَبِيحٌ أَنْ يَعْلَمَ الرَّجُلُ مَا فِي النِّسَاءِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِلَّا تُعَرِّفِينِي وَ لَا أَعْرِفُكِ وَ لَعَلَّكِ لَا تَرَيِنِّي وَ لَا أَرَاكِ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ أَلَحَّ عَلَيْهَا أَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أَمَّا قَوْلُهُ لِي: يَا سَلْفَعُ، وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ أَيْ لَا تَحِيضُ مِنْ حَيْثُ تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَ أَمَّا قَوْلُهُ: يَا مَهْيَعُ فَإِنِّي وَ اللَّهِ امْرَأَةٌ صَاحِبَةُ نِسَاءٍ وَ مَا أَنَا صَاحِبَةُ رِجَالٍ، وَ أَمَّا قَوْلُهُ: يَا فَرْدَعُ أَيْ إِنِّي لَمُخْرِبَةٌ بَيْتَ زَوْجِي، وَ مَا أُبْقِي عَلَيْهِ شَيْئاً، فَقَالَ: وَيْحَكِ أَ وَ مَا عَلِمْتِ بِهَذَا أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَ كَاهِنٌ وَ مَجْنُونٌ أَخْبَرَكِ بِمَا فِيكِ، وَ هَذَا عِلْمٌ كَثِيرٌ؟ فَقَالَتْ: هُوَ وَ اللَّهِ غَيْرُ مَا قُلْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ ذَا وَ لَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَّمَهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَكَانَتْ أَحْسَنَ قَوْلًا فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عُمَرَ بْنِ حَرِيشٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) وَ فَارَقَتْهُ، وَ أَقْبَلَ عُمَرُ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا عُمَرَ بْنَ حَرِيشٍ بِمَ اسْتَحْلَلْتَ أَنْ تَرْمِيَنِي بِمَا رَمَيْتَنِي بِهِ؟ وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَحْسَنَ قَوْلًا فِيَّ مِنْكَ وَ لَأَقِفَنَّ أَنَا وَ أَنْتَ مَوْقِفاً مِنَ اللَّهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَخَلَّصُ مِنَ اللَّهِ؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكَ مِمَّا كَانَ فَاغْفِرْ لِي يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَا غَفَرْتُ لَكَ هَذَا الذَّنْبَ حَتَّى أَقِفَ أَنَا وَ أَنْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

الهداية الكبرى، ص: 132

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ حَفْصٍ الْجَزَائِرِيِّ عَنِ ابْنِ حَسَّانَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ فتوى [قِنْوَا] ابْنَةِ رُشَيْدٍ الْهَجَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي بِمَا سَمِعْتِ مِنْ أَبِيكِ، قَالَتْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: يَا رُشَيْدُ كَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَ رِجْلَيْكَ وَ لِسَانَكَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ لَيْسَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رُشَيْدُ أَنْتَ مَعِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، قَالَتْ فتوى [قِنْوَا] فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- فَدَعَاهُ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَبَى أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الدَّعِيُّ فَبِأَيِّ مَوْتَةٍ قَالَ لَكَ تَمُوتُ؟ قَالَ أَخْبَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ تَدْعُونِي إِلَى الْبَرَاءَةِ فَلَا أَبْرَأُ مِنْهُ فَتَقْطَعُ يَدَايَ وَ رِجْلَايَ وَ لِسَانِي، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَأُكَذِّبَنَّ قَوْلَهُ فِيكَ فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ تَرَكَ لِسَانَهُ فَقُلْتُ يَا أَبَتِ هَلْ أَصَابَكَ أَلَمٌ؟ فَقَالَ: لَا يَا بِنْتِي إِلَّا كَالزِّحَامِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَ النَّاسِ، فَلَمَّا احْتَمَلْنَاهُ مِنْ دَارِهِ بِالْكُوفَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ فَقَالَ:

ائْتُونِي بِصَحِيفَةٍ وَ دَوَاةٍ وَ كَتَبَ النَّاسُ عَنْهُ وَ ذَهَبَ اللَّعِينُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحَدِّثُ وَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْهُ عِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رُشَيْدُ الْبَلَايَا، وَ كَانَ قَدْ أَلْقَى إِلَيْهِ عِلْمَ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايَا فِي حَيَاتِهِ، إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ يَقُولُ يَا فُلَانُ تَمُوتُ مِيتَةَ كَذَا وَ كَذَا، وَ تُقْتَلُ أَنْتَ يَا فُلَانُ قِتْلَةَ كَذَا وَ كَذَا فَيَكُونُ كَمَا قَالَ رُشَيْدٌ.

وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: رُشَيْدُ الْبَلَايَا أَيْ تُقْتَلُ بِهَذِهِ الْقِتْلَةِ.

. فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَاسِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْهُوبٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مِيثَمَ التَّمَّارِ يَقُولُ: دَعَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا مِيثَمُ إِذَا دَعَاكَ‏

الهداية الكبرى، ص: 133

دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنِّي؟ فَقُلْتُ إِذاً وَ اللَّهِ لَا أَبْرَأُ مِنْكَ يَا مَوْلَايَ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكَ وَ يَصْلُبَنَّكَ، قُلْتُ: إِذاً أَصْبِرُ وَ ذَلِكَ وَ اللَّهِ قَلِيلٌ فِي حُبِّكَ قَالَ: يَا مِيثَمُ إِذاً تَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي.

قَالَ: وَ كَانَ مِيثَمٌ التَّمَّارُ يَمُرُّ بِعَرِيفِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَيَقُولُ لَهُ يَا فُلَانُ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ دَعَاكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ وَ ابْنُ دَعِيِّهَا يَطْلُبُنِي مِنْكَ فَتَقُولُ هُوَ بِمَكَّةَ، فَيَقُولُ مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَ لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فَتَخْرُجُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَتُقِيمُ بِهَا أَيَّاماً، فَإِذَا قَدِمْتُ إِلَيْكَ ذَهَبْتَ بِي إِلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَنِي وَ أُصْلَبُ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ ابْتَدَرَ مِنْ مَنْخِرَيَّ دَمٌ عَبِيطٌ.

وَ كَانَ مِيثَمٌ يَمُرُّ بِنَخْلَةٍ فِي السَّبَخَةِ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهَا فَيَقُولُ: يَا نَخْلَةُ مَا غُرِسْتِ إِلَّا لِي وَ لَا خُلِقْتُ إِلَّا لَكِ، وَ كَانَ يَمُرُّ بِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَيَقُولُ يَا عَمْرُو إِذَا جَاوَرْتُكَ فَأَحْسِنْ مُجَاوَرَتِي، وَ كَانَ عَمْرٌو يَرْوِي عَنْهُ وَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَشْتَرِي دَاراً أَوْ ضَيْعَةً وَ يُجَاوِرُهُ لِذَلِكَ فَيَقُولُ: لَيْتَكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.

ثُمَّ خَرَجَ مِيثَمٌ إِلَى مَكَّةَ فَأَرْسَلَ الطَّاغُوتُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرِيفَ مِيثَمٍ يَطْلُبُهُ مِنْهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ فَأَجَّلَهُ أَجَلًا، وَ خَرَجَ الْعَرِيفُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ يَنْظُرُ مِيثَمَ فَلَمَّا قَدِمَ مِيثَمٌ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَتى بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فَلَمَّا أَدْخَلَهُ عَلِيٌّ، قَالَ: يَا مِيثَمُ قَالَ:

نَعَمْ، قَالَ: تَبَرَّأْ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ أَنَا أَبَا تُرَابٍ، قَالَ:

تَبَرَّأْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: إِذاً وَ اللَّهِ أَقْتُلُكَ، قَالَ: وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ كَانَ يَقُولُ لِي إِنَّكَ تَقْتُلُنِي وَ تَصْلُبُنِي عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ ابْتَدَرَ مِنْ مَنْخِرَيَّ دَمٌ عَبِيطٌ، فَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) بِصَلْبِهِ عَلَى بَابِ دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَقَالَ لِلنَّاسِ:

اسْأَلُونِي وَ هُوَ مَصْلُوبٌ قَبْلَ أَنْ أُقْتَلَ فَوَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكُمْ بِعِلْمِ مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْفِتَنِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ النَّاسُ حَدَّثَهُمْ حَدِيثاً وَاحِداً

الهداية الكبرى، ص: 134

فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) فَأَلْجَمَهُ بِلِجَامٍ شَرِيطٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ وَ هُوَ مَصْلُوبٌ حَيّاً فَمَنَعَهُ الْكَلَامَ فَأَقْبَلَ يُشِيرُ إِلَى النَّاسِ بِيَدِهِ وَ يُوحِي بِعَيْنِهِ وَ حَاجِبَيْهِ فَفَهِمَ أَكْثَرُهُمْ مَا يَقُولُهُ فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهِ) بِقَتْلِهِ وَ هُوَ مَصْلُوبٌ عَلَى جِذْعِ تِلْكَ النَّخْلَةِ الَّتِي كَانَ يُخَاطِبُهَا إِذَا مَرَّ بِهَا فِي سَبَخَةِ الْكُوفَةِ وَ كَانَ فِي جِوَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْخَيَّاطِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْخَوَارِجِ إِلَى النَّهْرَوَانِ، وَ اسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَسْكِرُوا بِالْمَدَائِنِ فَتَخَلَّفَ عَنْهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَ عَمْرُ بْنُ حَرِيشٍ، وَ قَالُوا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ائْذَنْ لَنَا أَيَّاماً حَتَّى نَقْضِيَ حَوَائِجَنَا وَ نَصْنَعَ مَا نُرِيدُ، ثُمَّ نَلْحَقَ بِكَ فَقَالَ لَهُمْ:

خَدَعْتُمُونِي بِشُغُلِكُمْ، سَوْءاً لَكُمْ مِنْ مَشَائِخَ، وَ اللَّهِ مَا كَانَ لَكُمْ مِنْ حَاجَةٍ تَتَخَلَّفُونَ عَلَيْهَا وَ لَكِنَّكُمْ تَتَّخِذُونَ سُفْرَةً وَ تَخْرُجُونَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَ تَجْلِسُونَ تَنْتَظِرُونَ مُتَنَكِّبُونَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَ تبنطون [تَبْسُطُونَ‏] سُفْرَتَكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ تَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِكُمْ، وَ يَمُرُّ بِكُمْ ضَبٌّ، فَتَأْمُرُونَ غِلْمَانَكُمْ، فَيَصْطَادُونَهُ لَكُمْ وَ يَأْتُونَكُمْ بِهِ فَتَخْلَعُونَ أَنْفُسَكُمْ عَنْ مُبَايَعَتِي، وَ تُبَايِعُونَ الضَّبَّ وَ تَجْعَلُونَهُ إِمَامَكُمْ دُونِي، وَ اعْلَمُوا أَنِّي سَمِعْتُ أَخِي رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ:

مَا فِي الدُّنْيَا أَقْبَحُ وَجْهاً مِنْكُمْ لِأَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ إِمَامَكُمْ وَ تَنْقُضُونَ عَهْدَهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ عَلَيْكُمْ وَ تُبَايِعُونَ ضَبّاً وَ سَوْفَ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِمَامُكُمْ ضَبٌّ، وَ هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‏ قَالُوا: وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقْضِيَ حَوَائِجَنَا وَ نَلْحَقَ بِكَ وَ نُوفِيَ بِعَهْدِكَ، وَ هُوَ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الدَّمَارُ وَ سُوءُ الدِّيَارُ وَ اللَّهِ مَا يَكُونُ إِلَّا مَا قُلْتُ لَكُمْ وَ مَا قُلْتُ لَكُمْ إِلَّا الْحَقَّ.

الهداية الكبرى، ص: 135

وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى إِذَا صَارَ بِالْمَدَائِنِ وَ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى الْخَنْدَقِ وَ ذَهَبُوا وَ مَعَهُمْ سُفْرَةٌ بَسَطُوا فِي الْمَوْضِعِ وَ جَلَسُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَمَرَّ بِهِمْ ضَبٌّ فَأَمَرُوا غِلْمَانَهُمْ فَصَادُوهُ لَهُمْ وَ أَتَوْهُمْ بِهِ فَخَلَعُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَايَعُوا الضَّبَّ وَ بَسَطُوا يَدَهُ، وَ قَالُوا لَهُ: أَنْتَ وَ اللَّهِ إِمَامُنَا مَا بَيْعَتُنَا لَكَ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَ إِنَّكَ لَأَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، فَكَانَ مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ كَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ثُمَّ لَحِقُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ لَمَّا وَرَدُوا عَلَيْهِ: فَعَلْتُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَ أَعْدَاءَ رَسُولِهِ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فَعَلْنَا، فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّ بَيْعَتَكُمْ مَعَ إِمَامِكُمْ، قَالُوا قَدْ أَفْلَحْنَا إِذْ بَايَعْنَا اللَّهَ مَعَكَ، قَالَ: وَ كَيْفَ تَكُونُونَ مَعِي، وَ قَدْ خَلَعْتُمُونِي وَ بَايَعْتُمُ الضَّبَّ؟ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الضَّبُّ يَسُوقُكُمْ إِلَى النَّارِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ إِنَّا مَا فَعَلْنَا، وَ لَا خَلَعْنَاكَ وَ لَا بَايَعْنَا الضَّبَّ فَلَمَّا رَأَوْهُ كَذَّبَهُمْ وَ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَأَقَرُّوا لَهُ وَ قَالُوا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَالَ لَهُمْ وَ اللَّهِ لَا غَفَرْتُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اخْتَرْتُمْ مَسْخاً مَسَخَهُ اللَّهُ، وَ جَعَلَهُ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَذَّبْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَدْ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ خَصْمَهُ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهَا السَّلَامُ).

وَ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِيمَنْ سَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُوفَةِ وَ قَاتَلُوا بِكَرْبَلَاءَ فَقَتَلُوهُ.

فكان هذا من دلائله (عليه السلام).

وَ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الطَّبَرِسْتَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا انْقَضَتِ الْهُدْنَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالنِّدَاءِ بِالْكُوفَةِ وَ بِالْبَصْرَةِ وَ هُمَا الْعِرَاقَانِ:

أَنَّكُمْ مَعَاشِرَ شِيعَتِنَا طَالَبْتُمُونَا بِالْمُرَاجَعَةِ عَنْ قِتَالِ مُعَاوِيَةَ وَ الْهُدْنَةِ الَّتِي كُنْتُمْ سَبَبَهَا وَ أَعْوَانُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهَا انْقَضَتْ وَ لَمْ يُمْكِنْ نَقْضُ الْعَهْدِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ‏

الهداية الكبرى، ص: 136

الْأَجَلُ، وَ عَهْدُ الْهُدْنَةِ، وَ هَا أَنَا مُطِيعُكُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَانْهَضُوا بِنِيَّاتٍ صَحِيحَةٍ وَ قُلُوبٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَ وَفَاءٍ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ عَلَيْكُمْ طَائِعِينَ لَا مُكْرَهِينَ فَاجْتَمَعَ مِنْ شِيعَةِ الْكُوفَةِ وَ الْبَصْرَةِ زُهَاءُ ثَلَاثِينَ أَلْفاً مُحَقِّقُونَ سِوَى مَنْ لَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَمَّا بَرَزُوا وَ صَارُوا بِالنُّخَيْلَةِ وَ سَارُوا إِلَى الْقُطْقُطَانِيَّاتِ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ عَامِلِهِ بِالنَّهْرَوَانِ أَنَّ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الْخَوَارِجِ حَكَّمُوا بِالنَّهْرَوَانِ وَ رَفَعُوا رَايَاتِهِمْ وَ أَشْهَرُوا أَسْلِحَتَهُمْ وَ وَرَدُوا بِالْمَعْبَرَةِ فَأَخْرَجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ مِنَ الْحُكْمِ، وَ أَتَوْا إِلَيْهِ وَ كَبَّرُوا وَ قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْفَرَنَا بِكَ أَيُّهَا الْخَائِنُ الْكَافِرُ بِكُفْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ الْمُقِيمُ مَعَهُ عَلَى رِدَّتِهِ، وَ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّكَ وَ زَوْجْتَكَ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ بِدِمَائِكُمْ، وَ أَتَوْا بِخِنْزِيرٍ فَذَبَحُوهُ عَلَى شَطِّ النَّهْرَوَانِ وَ ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ فَوْقَهُ، وَ قَالُوا: وَ اللَّهِ مَا ذَبْحُنَا لَكَ وَ لِهَذَا الْخِنْزِيرِ إِلَّا وَاحِداً.

وَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ مِنْ أَعْبَدِ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَفْضَلِهِمْ وَ أَخْيَرِهِمْ، وَ ذَبَحُوا زَوْجَتَهُ وَ طِفْلَهُ فَوْقَهُ، وَ قَالُوا: هَذَا فِعْلُنَا بِشِيعَةِ عَلِيٍّ وَ أَنْصَارِهِ نَقْتُلُهُمْ وَ لَا نُبْقِي مِنْهُمْ أَحَداً.

فَقَرَأَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْكِتَابَ وَ بَكَى رَحْمَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَ زَوْجَتِهِ وَ طِفْلِهِ وَ قَالَ:

آهْ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَئِنْ فَجَّعَ اللَّهُ بِكَ الدِّينَ لَقَدْ صِرْتَ وَ زَوْجَتُكَ وَ طِفْلُكَ إِلَى جَنَّاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ سَمِعَ مَنْ فِي الْعَسْكَرِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَ صَاحَ النَّاسُ مِنَ الْعَسْكَرِ: فَمَا ذَا تَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: اعْتَدُّوا بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ، فَهَذَا وَ ايْمُ اللَّهِ أَرَى بَوَارَهُمْ وَ لُحُوقَهُمْ بِالنَّارِ.

فَرَجَعَ إِلَى النَّهْرَوَانِ حَتَّى نَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَنْطَرَةِ وَ كَانَ فِي أَصْحَابِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدَبٌ الْأَزْدِيُّ قَدْ دَاخَلَهُ شَكٌّ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَلَحِقَ بِالْخَوَارِجِ (لَعَنَهُمُ اللَّهُ)، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: الْزَمْنِي وَ كُنْ مَعِي حَيْثُ كُنْتُ، وَ حَقِّقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَحَقَّقَهُ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَأَتَاهُ قَنْبَرُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِمَاءٍ

الهداية الكبرى، ص: 137

فَأَتَاهُ فَأَسْبَغَ وُضُوءَهُ وَ صَلَّى فَأَتَاهُ فَارِسٌ يَرْكُضُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَبَرَ الْقَوْمُ الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِنَّهُمْ مَا عَبَرُوهَا، فَقَالَ:

وَ اللَّهِ لَقَدْ عَبَرُوهَا، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتَ مَا عَبَرُوهَا وَ لَنْ يَعْبُرُوهَا وَ لَا يَقْتُلُونَ مِنَّا إِلَّا تِسْعَةً وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ.

قَالَ جُنْدَبٌ الْأَزْدِيُّ اللَّهُ أَكْبَرُ هَذِهِ دَلَالَةٌ قَدْ أَعْطَانِي إِيَّاهَا فِيهِمْ فَأَتَاهُ فَارِسٌ آخَرُ يَرْكُضُ فَرَسَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: عَبَرُوا الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتَ مَا عَبَرُوهَا وَ لَا يَعْبُرُونَهَا، وَ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ وَ لَا يُفْقَدُ مِنَّا إِلَّا تِسْعَةٌ.

قَالَ جُنْدَبٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ هَذِهِ دَلَالَةٌ أُخْرَى، فَأَتَاهُ فَارِسٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ أَنْ يَعْبُرُوهَا وَ مَا عَبَرُوهَا، قَالَ: صَدَقْتَ.

وَ كَانَ لِجُنْدَبٍ فَرَسٌ جَوَادٌ فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا سَبَقَنِي أَحَدٌ وَ لَا تَقَدَّمَنِي فِيهِمْ بِرُمْحٍ وَ ضَرَبَ فِيهِمْ بِسَيْفٍ، وَ خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنَ الْعَسْكَرِ وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الْمَخْصُوفُ، وَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ مُلَاءَةٌ وَ عَنْ يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَ عَنْ يَسَارِهِ أَبُو أَيَّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، يَمْشِي نَحْوَ الْخَوَارِجِ فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالسِّلَاحِ وَ قَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ إِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ أَعْدَاءِ رَسُولِهِ وَ أَعْدَائِكَ، حَاسِراً بِغَيْرِ سِلَاحٍ، وَ هُمْ مُقَنَّعُونَ بِالْحَدِيدِ يُرِيدُونَ نَفْسَكَ لَا غَيْرَهَا؟ فَقَالَ: ارْجِعُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ وَ أَشْرَفَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ وَرَائِهَا الْوَاقِعَةُ هَاجُوا نَحْوَهُ فَصَاحَ بِهِمْ: مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ إِنَّي جِئْتُكُمْ لِأُقَدِّمَ الْإِعْذَارَ وَ الْإِنْذَارَ إِلَيْكُمْ وَ أَسْأَلَكُمْ مَا تُرِيدُونَ وَ مَا تَطْلُبُونَ وَ تَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ وَ أَسْمَعُ مَا تَقُولُونَ، فَأَخْزَى اللَّهُ الظَّالِمِينَ فَزَجَرَهُمْ.

ثُمَّ قَالَ وَيْلَكُمْ أَيَّهَا الْخَوَارِجُ أَنَا أَعْلَمُ مَا تَقُولُونَ وَ لَا تَعْلَمُونَ مَا أَقُولُ،

الهداية الكبرى، ص: 138

فَاخْفِضُوا مِنْ أَصْوَاتِكُمْ وَ صَلْصَلَتِكُمْ وَ ضَجِيجِكُمْ وَ لْيَبْرُزْ إِلَيَّ ذُو الْحُكْمِ وَ الرَّأْيِ مِنْكُمْ، فَيَفْهَمَ عَنِّي وَ أَفْهَمَ عَنْهُ فَهَدَؤُا وَ بَرَزَ إِلَيْهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ مَا الَّذِي أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ إِنْ مَرَقْتُمْ مِنْ دِينِ اللَّهِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؟ وَ مَا ذَا أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ؟ وَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ بِالْقِتَالِ إِنْ أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ تَقْبَلُونَهُ، وَ تَقُومُونَ حَتَّى لَا تُعَطَّلَ شَرِيعَةُ اللَّهِ وَ لَا رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ لَا تَطِيشَ مُسْلِمَةٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.

فَقَالُوا: لَا.

فَقَالَ وَا عَجَبَاهْ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ أَمْراً بِقِتَالٍ أَدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ لَمْ يَقْبَلُوهُ، قَالُوا: وَ كَيْفَ نَقْبَلُهُ وَ نَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَكُمْ؟ قَالَ: أَخْبِرُوني مَا الَّذِي أَرَدْتُمْ لِلْقِتَالِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَ لَا جَوَابٍ، فَقَالُوا: أَنْكَرْنَا أَشْيَاءَ يَحِلُّ لَنَا قَتْلُكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا.

فَقَالَ لَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَاذْكُرُوهَا فَقَالُوا: أَوَّلُهَا: أَنَّكَ كُنْتَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيَّهُ، وَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَ قَاضِيَ دَيْنِهِ، وَ مُنْجِزَ عِدَاتِهِ، وَ أَخَذَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ الْبَيْعَةَ فِي أَرْبَعِ مَوَاطِنَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ، وَ سَمَّاكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تَشَاغَلْتَ بِوَفَاتِهِ، وَ تَرَكْتَ قُرَيْشاً وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ يَتَدَاوَلُونَ الْخِلَافَةَ، وَ الْمُهَاجِرُونَ يَقُولُونَ: الْخِلَافَةُ لِمَنِ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ مِنْهَا، وَ سَمَّاهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ قُرَيْشٌ تَقُولُ لَهُمْ لَا نَرْضَى وَ لَا نَعْلَمُ مَا تَقُولُونَ، فَقَالَ لَهُمُ الْأَنْصَارُ: إِذَا مُنِعَ عَلِيٌّ حَقَّهُ فَنَحْنُ وَ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا فَتَعَالَوْا نَنْصِبْ مِنَّا أَمِيراً وَ مِنْكُمْ أَمِيراً فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ فَقَامَتْ قَسَامَةٌ أَرْبَعُونَ شَاهِداً يَشْهَدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَطِيعُوهُمْ مَا أَطَاعُوا اللَّهَ، فَإِنْ‏

الهداية الكبرى، ص: 139

عَصَوْهُ فَالْحُوهُمْ لَحْيَ هَذَا الْقَضِيبِ، وَ رَمَى الْقَضِيبَ مِنْ يَدِهِ، وَ كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ قَسَامَةٍ، أُقْسِمَتْ بُهْتَاناً وَ زُوراً وَ أُشْهِرَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَ عَقَدُوا الْأَمْرَ بِاخْتِيَارِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَ دَعَوْكَ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَخَرَجْتَ مُكْرَهاً مَسْحُوباً بَعْدَ أَنْ هَيَّأْتَ يُقِيمُ لَكَ فِيهَا عُذْراً، وَ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّكَ مَشْغُولٌ بِجَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ تَعْزِيَتِهِنَّ وَ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، وَ مَا كَانَ لَكَ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ فَلَمَّا تَرَكْتَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ لَكَ وَ أَخْرَجْتَ نَفْسَكَ مِنْهُ أَخَّرْنَاكَ نَحْنُ أَيْضاً وَ شَكَكْنَا بِكَ.

قَالَ: هِيهِ، وَ مَا ذَا تُنْكِرُونَ؟

قَالُوا: وَ الثَّانِيَةُ أَنَّكَ حَكَمْتَ يَوْمَ الْجَمَلِ فِيهِمْ بِحُكْمٍ خَالَفْتَهُ بِصِفِّينَ، قُلْتَ لَنَا يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تُقَاتِلُوهُمْ مُوَلِّينَ وَ لَا مُدْبِرِينَ، وَ لَا نِيَاماً وَ لَا أَيْقَاظاً، وَ لَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَ مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ كَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَ أَحْلَلْتَ لَنَا فِي مُحَارَبَتِكَ لِمُعَاوِيَةَ سَبْيَ الْكُرَاعِ وَ أَخْذَ السِّلَاحَ وَ سَبْيَ الذَّرَارِيِّ فَمَا الْعِلَّةُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى أَنَّ هَذَا حَلَالٌ وَ هَذَا حَرَامٌ؟

قَالَ: هِيهِ، ثُمَّ مَا ذَا أَنْكَرْتُمْ؟

قَالُوا: وَ الثَّالِثَةُ أَنَّكَ الْإِمَامُ وَ الْحَاكِمُ وَ الْوَصِيُّ وَ الْخَلِيفَةُ وَ أَنَّكَ أَجَبْتَنَا إِلَى أَنْ حَكَّمْنَا دُونَكَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ فَكَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ وَ لَا تُجِيبَنَا إِلَى ذَلِكَ وَ تُقَاتِلَنَا بِنَفْسِكَ وَ نُطِيعَكَ، أَوْ تُقْتَلَ وَ لَا تُجِيبَهُمُ عِنْدَ رَفْعِ الْمَصَاحِفِ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الرِّجَالُ وَ أَنْتَ الْحَاكِمُ.

قَالَ: هِيهِ، ثُمَّ مَا ذَا؟

قَالُوا: وَ الرَّابِعَةُ أَنَّكَ كَتَبْتَ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ تَقُولُ فِيهِ‏[5] مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَرَدَّ الْكِتَابَ إِلَيْكَ وَ كَتَبَ فِيهِ يَقُولُ: إِنِّي لَوْ أَقْرَرْتُ أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَاتَلْتُكَ فَأَكُونُ قَدْ ظَلَمْتُكَ، بَلِ‏

الهداية الكبرى، ص: 140

اكْتُبْ بِاسْمِكَ وَ اسْمِ أَبِيكَ فَكَتَبْتَ إِلَيْهِ:[6] مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَلَمَّا أَجَبْتَ مُعَاوِيَةَ إِلَى إِخْرَاجِ نَفْسِكَ مِنْ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّا نَحْنُ فِي إِخْرَاجِكُمْ، عَنِ الْآمِرِيَّةِ أَوْلَى.

قَالَ: هِيهِ ثُمَّ مَا ذَا؟

قَالُوا: وَ الْخَامِسَةُ أَنَّكَ قُلْتَ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ فَاحْكُمُوا بِهِ وَ اتْلُوهُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ مُعَاوِيَةَ أَثْبَتَ مِنِّي فَأَثْبِتُوهُ وَ إِنْ وَجَدْتُمُونِي أَثْبَتَ مِنْهُ فَأَثْبِتُونِي فَشَكَكْتَ فِي نَفْسِكَ فَنَحْنُ فِيكَ أَعْظَمُ شَكّاً.

قَالَ لَهُمْ: بَقِيَ لَكُمْ شَيْ‏ءٌ تَقُولُونَهُ؟ قَالُوا: لَا.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي الْجَوَابِ:

1- أَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ وَ أَقْرَرْتُمْ مِنِّي مِنَ الْأَمْرِ فِيمَا أَخَذَهُ اللَّهُ لِي وَ رَسُولُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْبَيْعَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ إِلَى أَنْ تَشَاغَلْتُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ وَ فَعَلْتُمْ وَ فَعَلَتْ قُرَيْشٌ وَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ مَا فَعَلُوا إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْأَمْرَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَمَا تَقُولُونَ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ هَلْ تُوجِبُونَ عَلَى آدَمَ إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَعَصَى اللَّهَ إِبْلِيسُ وَ خَالَفَهُ وَ لَمْ يَسْجُدْ لآِدَمَ أَنْ يَدْعُوَ إِبْلِيسَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ ثَانِيَةً، فَقَالُوا: لَا، قَالَ: وَ لِمَ؟ قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَعَصَى اللَّهَ وَ خَالَفَهُ وَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَجِبْ لِآدَمَ أَنْ يَدْعُوَهُ بَعْدَهَا.

قَالَ: فَهَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرَ اللَّهُ النَّاسَ بِالْحَجِ‏ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الْحَجَّ وَ لَمْ يَحُجُّوا لِلْبَيْتِ كَفَرَ الْبَيْتُ أَوْ كَفَرَ النَّاسُ بِتَرْكِهِمْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: بَلْ كَفَرَ النَّاسُ، قَالَ: وَيْحَكُمْ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ أَ تُعْذِرُونَ آدَمَ وَ تَقُولُونَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ إِبْلِيسَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فَعَصَى، وَ خَالَفَ، وَ لَمْ يَفْعَلْ وَ إِنَّمَا أَمَرَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَ لَا تُعْذِرُونَنِي وَ تَقُولُونَ: كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَ قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَمَّوْنِي بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى‏

الهداية الكبرى، ص: 141

اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَخَذَ لِيَ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ، وَ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ فَرِيضَةٌ، وَ الْإِمَامُ فَرِيضَةٌ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الَّتِي تُؤْتَى وَ لَا تُؤْتَى فَتُعْذِرُونَ الْبَيْتَ وَ تُعْذِرُونَ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ لَا تُعْذِرُونَنِي؟

فَقَالَ الْخَوَارِجُ: صَدَقْتَ وَ كَذَبْنَا، وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ مَعَكَ.

ثُمَّ قَالَ:

2- وَ أَمَّا فِي يَوْمِ الْجَمَلِ بِمَا خَالَفْتُهُ فِي صِفِّينَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَمَلِ أَخَذُوا عَلَيْهِمْ بَيْعَتِي فَنَكَثُوا وَ خَرَجُوا عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى الْبَصْرَةِ وَ لَا إِمَامَ لَهُمْ وَ لَا دَارُ حَرْبٍ تَجْمَعُهُمْ، وَ إِنَّمَا خَرَجُوا مَعَ عَائِشَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَعَهُمْ لِإِكْرَاهِهَا لِبَيْعَتِي وَ قَدْ أَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِأَنَّ خُرُوجَهَا خُرُوجُ بَغْيٍ وَ عُدْوَانٍ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ‏ وَ مَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ غَيْرُهَا فَإِنَّ فَاحِشَتَهَا كَانَتْ عَظِيمَةً، أَوَّلُهَا خِلَافٌ لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَهَا فِي قَوْلِهِ: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ فَأَيُّ تَبَرُّجٍ أَعْظَمُ مِنْ خُرُوجِهَا وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَجِّ، وَ اللَّهِ مَا أَرَادُوا حَجّاً وَ لَا عُمْرَةً، وَ مَسِيرُهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ إِشْعَالِهَا حَرْباً قُتِلَ فِيهِ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ خَمْسَةٌ وَ عِشْرُونَ أَلْفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ يَقُولُ: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً فَقُلْتُ لَكُمْ عِنْدَ مَا أَظْهَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَارُ حَرْبٍ تَجْمَعُهُمْ وَ لَا إِمَامٌ يُدَاوِي جِرَاحَهُمْ، وَ لَا يُعِيدُهُمْ إِلَى قِتَالِكُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَ لَوْ كُنْتُ أَحْلَلْتُ لَكُمْ سَبْيَ الذَّرَارِيِّ أَيُّكُمْ كَانَ يَأْخُذُ عَائِشَةَ زَوْجَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي سَهْمِهِ؟

فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَ اللَّهِ فِي جَوَابِكَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا، وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

الهداية الكبرى، ص: 142

فَقَالَ لَهُمْ:

3- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ: أَجَبْتُكُمْ عِنْدَ رَفْعِ الْمَصَاحِفِ إِلَى أَنْ حَكَّمْتُمْ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ وَ كُنْتُ الْحَاكِمَ، فَمَا ذَا تَقُولُونَ أَيُّهَا الْخَوَارِجُ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلَهُمْ أَلْفَا رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَلَّوْهُمُ الْأَدْبَارَ فَمَا هُمْ؟ قَالُوا كُفَّارٌ بِاللَّهِ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَى التَّمَامِ، وَ الْمُشْرِكُونَ أَلْفَا رَجُلٍ لَا يَزِيدُونَ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ‏ فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَإِنْ نَقَصَ مِنْ عَدَدِ الْأَلْفِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ الْكُفَّارِ عَلَى التَّمَامِ مَا هُمْ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا الْمُسْلِمُونَ مَعْذُورُونَ فِي ذَلِكَ، فَضَحِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ تُعْذِرُونَ تِسْعَمِائَةٍ وَ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ رَجُلًا فِي قِتَالِ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَ لَا تُعْذِرُونَنِي، وَ قَدِ الْتَقَانِي رِجَالُ ابْنِ هِنْدٍ فِي مِائَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفاً مَا جَمَعَ حُكْمَ حَاكِمٍ، وَ قَدْ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَقَالُوا: دَعْنَا نُحَكِّمْ عَلَيْكَ مَنْ نَشَاءُ، وَ إِلَّا أَخْرَجْنَا أَنْفُسَنَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَ أَبْطَلْنَا الْحَكَمَيْنِ وَ ارتدونا [ارْتَدَدْنَا] عَنِ الدِّينِ وَ قَعَدْنَا عَنْ نُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: حَكِّمْ مَنْ هُوَ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ فَقُلْتُ لَكُمْ: اخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَقُلْتُمْ: لَا يَحْكُمُ فِينَا مُضَرِيٌّ وَ لَا هَاشِمِيٌّ، فَأَعْرَضْتُمْ عَنِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الَأَنْصَارِ وَ أَظْهَرْتُمْ مُخَالَفَتَكُمْ لِي، وَ كَتَبْتُمْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، وَ قَدْ قَعَدَ عَنْ نُصْرَتِنَا وَ هُوَ فَدْمٌ حِمَارٌ فَحَكَّمْتُمُوهُ وَ أَنَا أَنْصَحُ لَكُمْ، وَ أَقُولُ لَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تُحَكِّمُوا عَلَيَّ أَحَداً. وَ إِنِّي الْحَاكِمُ عَلَيْكُمْ، وَ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهَا خَدِيعَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْتُمْ اسْكُتْ وَ إِلَّا قَتَلْنَاكَ وَ سَلَّمْنَا هَذَا الْأَمْرَ إِلَى عَبْدٍ أَسْوَدَ وَ جَعَلْنَاهَا بَرْدَةً عَنِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْعُذْرِ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ أَصَبْتَ وَ صَدَقْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ مَعَكَ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ لَهُمْ:

4- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ إِنِّي كَتَبْتُ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ‏

الهداية الكبرى، ص: 143

[7] مِنْ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرٍ فَأَيُّكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِي غَزَاةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ بَيْنَ يَدَيْهِ كِتَاباً إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ بِإِملَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ) فِيهِ‏[8] مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى آخِرِ الْكِتَابِ فَأَجَابُوهُ، وَ قَالُوا: نَعَمْ حَضَرْنَا ذَلِكَ الْكِتَابَ وَ أَنْتَ تَكْتُبُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ أَ لَيْسَ عَلِمْتُمْ أَنَّ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ رَدَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فَاسْمَانِ نَعْرِفُهُمَا بِالتَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، وَ أَمَّا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّا لَوْ أَقْرَرْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَاتَلْنَاكَ فَقَدْ ظَلَمْنَاكَ فَاكْتُبْ بِاسْمِكَ وَ اسْمِ أَبِيكَ حَتَّى نُجِيبَكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ اكْتُبْ‏[9] مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، إِنْ مَحَوْتُ اسْمِي لِيَرُدَّ عَلَيَّ الْجَوَابَ فَاسْمِي لَا يُمْحَى فِي السَّمَاءِ وَ لَا فِي الْأَرْضِ، وَ لَا فِي الدُّنْيَا وَ لَا فِي الْآخِرَةِ، وَ إِنَّمَا أَرَادَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنْ لَا يُجِيبَ عَنِ الْكِتَابِ وَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ) إِلَى الْآبَاءِ وَ كَتَبْتُ أَنَا إِلَى الْأَبْنَاءِ تَأَسِّياً بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قَالُوا: صَدَقْتَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ لَهُمْ:

5- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنِّي قُلْتُ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ فَاحْكُمُوا بِهِ وَ اتْلُوهُ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُونِي أَثْبَتَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَأَثْبِتُونِي وَ إِنْ وَجَدْتُمْ مُعَاوِيَةَ أَثْبَتَ مِنِّي فَأَثْبِتُوهُ فَوَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ مَا قُلْتُ لَكُمْ هَذَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الرَّيْنَ اسْتَوْلَى عَلَى قُلُوبِكُمْ وَ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمْ وَ أَنَّكُمْ قَدْ نَسِيتُمُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ نَسِيتُمْ حَقِّي وَ خَلَا بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَ قُلْتُمْ مَا لَنَا إِلَّا أَنْ نَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي عَلِيٍّ وَ مُعَاوِيَةَ، فَمَنْ قَرُبَ إِلَى‏

الهداية الكبرى، ص: 144

الْحَقِّ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَ كُنَّا مَعَهُ فَوَ اللَّهِ يَا مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا قَوْلُهُ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَ لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنِّي وَ مِنِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ مِنِ ابْنِيَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، لَكَانَ هَذَا حَسْبِي بِهَذِهِ الْآيَةِ فَضْلًا عِنْدَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَنْ لَمْ أَسْأَلْكُمْ أَجْراً عَلَى مَا هَدَاكُمُ اللَّهُ وَ أَنْقَذَكُمْ مِنْ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، وَ جَعَلَكُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَ جَعَلَ الشَّفَاعَةَ وَ الْحَوْضَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِيكُمْ إِلَّا مَوَدَّتَنَا لَكَانَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ، هَذَا وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي حَقِّي‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ وَ مَا أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ زَكَّى فِي رُكُوعِهِ غَيْرِي فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَاءَنِي بِخَاتَمٍ أَنْزَلَهُ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ يَصُغْهُ صَائِغٌ عَلَيْهِ يَاقُوتَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا اللَّهُ الْمُلْكَ* فَتَخَتَّمْتُ بِهِ وَ خَرَجْتُ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ شُكْراً لِلَّهِ عَلَى تِلْكَ الْمَوْهِبَةِ فَأَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ فِي الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَ قَالَ: هَلْ مِنْ زَكَاةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوصِلُهَا إِلَيَّ يَشْكُرُهَا اللَّهُ لَكَ وَ يُجَازِيكَ عَنْهَا فَوَهَبْتُ ذَلِكَ الْخَاتَمَ لَهُ وَ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْخَاتَمِ وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ وَ أَتْمَمْتُ صَلَاتِي وَ جَلَسْتُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَ أَحْمَدُهُ وَ أَشْكُرُهُ حَتَّى دَخَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَ قَبَّلَنِي عَلَى بُلْجَةِ وَجْهِي، وَ قَالَ: هَنَّأَكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ هَنَّأَنِي كَرَامَةً لِي فِيكَ وَ عَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَ مَا يَلِيهَا وَ قَالَ لَهُمْ وَ لِي آيَةَ الْخُمُسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَ هِيَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ (لَنْ يَنَالَ‏ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏) فَمَا هُوَ الله [لِلَّهِ‏] مِنْ خُمُسِ الْغَنَائِمِ إِلَى مَنْ يُرَدُّ؟ قَالُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ فَمَا هُوَ لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ‏

الهداية الكبرى، ص: 145

إِذَا قُبِضَ الرَّسُولُ إِلَى مَنْ يُرَدُّ؟ قَالُوا إِلَى أُولِي الْقُرْبَى مِنَ الرَّسُولِ وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ قَالَ: وَ الْيَتِيمُ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ الْمَسَاكِينُ إِذَا اسْتَغْنَوْا وَ ابْنُ السَّبِيلِ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ، إِلَى مَنْ يُرَدُّ مَالُهُمْ؟ قَالُوا إِلَى ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الرَّسُولِ، قَالَ: فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَعَاشِرَ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ غَنِيمَةٍ مِنْ جِهَادٍ أَوْ فِي احْتِرَافٍ أَوْ فِي مَكْسَبٍ أَوْ مَقْرَضِ الْخَيَّاطِ أَوْ مِنْ غُنْمٍ يُكْسَبُ فَهُوَ لِي، وَ الْحُكْمُ لِي فِيهِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيَّ حَقٌّ، وَ أَنَا شَرِيكُ كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فِي كُلِّ مَا اكْتَسَبَهُ فَإِنْ وَفَّانِي حَقَّ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ مُتَمَثِّلًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ مَنْ بَخَسَنِي حَقِّي كَانَتْ ظُلَامَتِي عِنْدَهُ إِلَى أَنْ‏ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ‏ قَالُوا: صَدَقْتَ وَ بَرَرْتَ وَ أَصَبْتَ وَ أَخْطَأْنَا وَ الْحَقُّ وَ الْحُجَّةُ لَكَ.

قَالَ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ آخِرِ سُؤَالِكُم قَالُوا: صَدَقْتَ، وَ انْحَرَفَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ كَانَتِ اسْتَجَابَتْ إِلَّا الْأَرْبَعَةَ آلَافٍ الَّذِينَ مَرَقُوا، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نُقَاتِلُهُمْ مَعَكَ فَقَالَ: لَا، قِفُوا لَا مَعَنَا وَ لَا عَلَيْنَا، وَ انْظُرُوا إِلَى نُفُوذِ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ.

ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ ثَلَاثاً، فَسَمِعَ جَمِيعُهُمْ: هَلْ أَنْتُمْ مُنِيبُونَ؟ هَلْ أَنْتُمْ رَاجِعُونَ؟ فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: عَنْ قِتَالِكَ، لَا.

فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَتْرُكُوا الْعَمَلَ وَ تَتَّكِلُوا عَلَيَّ بِالْفَضْلِ لِمَنْ قَاتَلَ لَمَا قَاتَلَ هَؤُلَاءِ غَيْرِي، وَ كَانَ لِي مِنَ اللَّهِ الْفَضْلُ عِنْدَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ فَإِنِّي شَادٌّ فَكَانُوا كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ‏ أَوْ كَيَوْمٍ‏ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فَمَاتُوا.

فَلَمَّا أَخَذُوا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ؟ فَلَنْ يُقْتَلَ إِلَّا تِسْعَةٌ، وَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا تِسْعَةٌ، فَقَدُوا مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَ نَجَا فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا تِسْعَةٌ، وَ عَدُّوا أَصْحَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْتُولِينَ فَوَجَدُوهُمْ تِسْعَةً.

الهداية الكبرى، ص: 146

قَالَ: وَ فَالِقِ الْحَبَّةِ وَ بَارِئِ النَّسَمَةِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا أُضْلِلْتُ وَ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، بَيَّنَهَا لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَبَيَّنَهَا نَبِيُّهُ لِي.

ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ ذَا الثُّدَيَّةِ فِي الْقَتْلَى؟ قَالُوا: لَا، قَالَ:

ائْتُوني بِالْبَغْلَةِ، فَقُدِّمَتْ إِلَيْهِ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ الدُّلْدُلُ، فَرَكِبَهَا وَ سَارَ فِي مَصَارِعِهِمْ، فَوَقَفَتْ بِهِ الْبَغْلَةُ وَ هَمْهَمَتْ وَ هَزَّتْ ذَنَبَهَا فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامَ)، وَ قَالَ: وَيْحَكُمْ هَذِهِ الْبَغْلَةُ تُخْبِرُنِي أَنَّ ذَا الثُّدَيَّةِ حُرْقُوصاً (لَعَنَهُ اللَّهُ) تَحْتَ هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى فَابْحَثُوا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي رُكْنٍ قَدْ دَفَنَ نَفْسَهُ تَحْتَ الْقَتْلَى فَأَخْرَجُوهُ وَ كَشَفُوا عَنْ أَثْوَابِهِ فَإِذَا هُوَ فِي صُورَةٍ عَظِيمَةٍ حَوْلَ حَلَمَتِهِ شَعَرَاتٌ كَشَوْكِ الشَّيْهَمِ، وَ الشَّيْهَمُ ذَكَرُ الْقَنَافِذِ، قَالَ: مُدُّوا حَلَمَتَهُ فَمَدُّوهَا فَبَلَغَتْ أَطْرَافَ أَنَامِلِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَطْلَقُوهَا فَصَارَتْ فِي صَدْرِهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ الَّذِي قَتَلَكَ، وَ عَجَّلَ بِكَ، وَ بِأَصْحَابِكَ إِلَى النَّارِ، فَقَتَلُوهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَ هُوَ جَدُّ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَ قَدْ كَانَتِ الْخَوَارِجُ خَرَجُوا إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَرُورَاءَ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَ هُوَ غَرْبِيُّ الْفُرَاتِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ فَأَتَاهُ الْخَبَرُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ وَ عَلَيْهِ مُلَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَعَهُ بَغْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ فِي مُلَاءَةٍ، وَ الْقَوْمُ شَاكُونَ سِلَاحَهُمْ؟ فَقَالَ: